اخبار
أخر الأخبار

من الأرشيف التقليدي إلى المعرفة الرقمية.. تجربة حيدر إبراهيم في التحول التقني والبحث العلمي

خدمات متفصلة عليك قدم علي قرض المشاريع المتوسطه والصغيره ومتناهية الصغر علشان تبدأ أو تكبر مشىوعك
قبل أن يصبح مصطلح «التحول الرقمي» عنوانًا متكررًا في خطط المؤسسات، كانت كثير من الجهات في المنطقة تواجه تحديًا عمليًا مباشرًا: كيف تنتقل من الملفات والإجراءات التقليدية إلى أنظمة إلكترونية تحفظ المعلومات وتتيح الوصول إليها بصورة أكثر تنظيمًا؟ بالنسبة للمهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت، لم يكن هذا السؤال نظريًا، بل ارتبط بإحدى المراحل المبكرة من مسيرته المهنية في السودان، عندما اقترب من مشروعات هدفت إلى استخدام البرمجيات في تنظيم المعلومات وتطوير طرق العمل داخل المؤسسات.
درس حيدر هندسة البرمجيات في السودان، وهو تخصص يضع الطالب منذ البداية أمام فكرة أساسية: البرنامج لا يبدأ بالكود، بل بالمشكلة. قبل كتابة أي نظام، هناك حاجة لفهم الإجراءات الحالية، وتحديد الأطراف التي تستخدمها، وتحليل البيانات التي تتحرك داخلها، ثم تصميم حل يمكن تطبيقه والمحافظة عليه وتطويره.
ومن التجارب التي ارتبطت ببداياته المشاركة في أعمال متصلة برقمنة بعض الإجراءات التي كانت تعتمد تاريخيًا على المعاملات الورقية، ومن بينها تجربة مرتبطة بنظام التقديم للجامعات. وتكتسب هذه النوعية من المشروعات أهمية خاصة في البلدان التي مرت لفترة طويلة بنظم ورقية واسعة؛ لأن الانتقال إلى النظام الإلكتروني لا يعني نقل النموذج نفسه إلى شاشة، بل يتطلب إعادة تنظيم مسار البيانات وطريقة التحقق منها وحفظها واسترجاعها.
لكن المحطة التي ظهر فيها هذا التوجه بصورة أوضح كانت تجربة المركز القومي للبحوث في السودان. بين نوفمبر 2019 ويناير 2021، عمل حيدر في هندسة البرمجيات والتحول الرقمي، وهي فترة تضمنت العمل على تحديث البيئة الرقمية للمؤسسة وتطوير منصة موحدة تعكس معاهد المركز وأنشطته وإنتاجه العلمي.
كان أحد المشروعات المهمة في تلك المرحلة نشر وإدارة نظام DSpace كمستودع رقمي مؤسسي للأبحاث والمنشورات العلمية. وقد يبدو مفهوم الأرشفة الرقمية بسيطًا لمن ينظر إليه من الخارج، لكنه بالنسبة للمؤسسات البحثية يمثل جزءًا من إدارة المعرفة نفسها. فالمؤسسة التي تنتج مئات أو آلاف الدراسات تحتاج إلى آلية تستطيع من خلالها حفظ هذا الإنتاج، وتصنيفه، وربطه بالباحثين والموضوعات، والعودة إليه بعد سنوات.
الأرشيف العلمي لا يؤدي وظيفة تاريخية فقط، بل يمكن أن يتحول إلى أداة تساعد الباحثين على معرفة ما أُنجز سابقًا، وتمنع تكرار الجهود، وتدعم بناء دراسات جديدة فوق تراكم معرفي حقيقي. ومن هنا تتحول عملية الأرشفة من نشاط إداري هامشي إلى بنية أساسية للبحث العلمي.
إلى جانب المستودع الرقمي، شملت التجربة تطوير المنصة الرقمية للمركز وتوحيد الطريقة التي يعرض بها معاهده وأنشطته ومخرجاته العلمية. وهذه النقطة مهمة لأن المؤسسة البحثية تحتاج إلى واجهة لا تخدم الجمهور الخارجي فقط، بل تساعد كذلك في بناء هوية رقمية متماسكة وتقديم المعلومات بصورة منظمة.
لكن حيدر أدرك خلال هذه المرحلة أن المشروع التقني لا ينتهي عند تشغيل النظام. فالمنصة الجيدة قد تفشل إذا لم يتعامل معها المستخدمون بثقة، والمستودع العلمي قد يبقى فارغًا أو محدودًا إذا لم يفهم الباحثون طريقة إدخال البيانات والاستفادة منه. ولهذا امتد عمله إلى التدريب وبناء القدرات.
صمم وقدم برامج تدريبية لثلاث مجموعات من خريجي الجامعات، شملت مهارات الحاسوب وتصميم المواقع وإدارة الأنظمة. كما قدم تدريبات للعاملين والباحثين حول استخدام الأدوات الرقمية وأنظمة إدارة التعلم وتقنيات الاجتماعات المرئية في العمل البحثي. وشملت التجربة أيضًا التدريب العملي في صيانة الأجهزة واكتشاف الأعطال لبعض الأفراد الذين كانوا يساهمون في أعمال المختبرات والأجهزة التقنية.
هذه التفاصيل تكشف جانبًا غالبًا ما يغيب عن الخطاب المتعلق بالتحول الرقمي. فالمؤسسة تستطيع شراء أفضل البرامج، لكنها لن تتحول رقميًا إذا بقيت ثقافة العمل نفسها دون تغيير. وقد يكون التحدي البشري في بعض الأحيان أكبر من التحدي التقني، لأن الموظف الذي اعتاد إجراءً معينًا لسنوات يحتاج إلى فهم سبب التغيير وفائدته قبل أن يتبناه.
لهذا يصبح التدريب جزءًا من هندسة الحل نفسها. فتصميم النظام يجب أن يراعي قدرات المستخدمين، وخطة التطبيق يجب أن تتضمن نقل المعرفة، ومرحلة التشغيل تحتاج إلى متابعة واستجابة للملاحظات. التحول الرقمي الناجح هو عملية مؤسسية وليس مجرد مشروع برمجي.
كما تضمنت مسؤوليات حيدر خلال هذه المرحلة العمل كحلقة اتصال تقنية مع جهات حكومية فيما يتعلق بالنطاقات الرسمية والبريد الإلكتروني والبنية التقنية، إلى جانب تطبيق سياسات أمنية وضوابط للتحكم في الوصول بهدف حماية البيانات والبنية البحثية. وهنا تتضح الطبيعة المركبة للعمل داخل مؤسسة علمية؛ فالمهندس لا يتعامل فقط مع الموقع الذي يراه المستخدم، وإنما مع منظومة تشمل الحسابات والصلاحيات والبيانات والأجهزة والحماية واستمرارية الخدمة.
ومن هذه التجربة انتقل حيدر لاحقًا إلى بيئات مهنية مختلفة خارج السودان، لكن فكرة التحول الرقمي ظلت حاضرة في مساره. ففي سلطنة عُمان انتقلت خبرة إدارة الأنظمة إلى بيئات مؤسسية وتجارية، وشملت إدارة تقنية المعلومات والمنصات الرقمية وأمن المعلومات والحلول البرمجية، ثم الاستشارات التقنية والأعمال.
ومع ذلك، تظل تجربة السودان مهمة لأنها تمثل مرحلة التقت فيها هندسة البرمجيات مع البحث العلمي وإدارة المعرفة والتدريب. وهي مرحلة توضح كيف يمكن لمشروع يبدو تقنيًا في ظاهره أن يلامس في الحقيقة أسئلة أعمق تتعلق بذاكرة المؤسسة ومستقبل المعرفة فيها.
ومع التطور الحالي للذكاء الاصطناعي، أصبحت قضية إدارة المعرفة أكثر أهمية من السابق. فالأنظمة الذكية نفسها تعتمد في النهاية على البيانات المنظمة والمصادر الموثوقة والسياق الصحيح. والمؤسسة التي لا تعرف ماذا تملك من معلومات ولا كيف تحفظها ستواجه صعوبة في الاستفادة من أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي مهما كانت متقدمة.
لهذا تبدو تجربة الأرشفة العلمية التي عمل عليها حيدر قبل سنوات مرتبطة بصورة غير مباشرة بالمسار الأكاديمي الذي اتجه إليه لاحقًا في هندسة الذكاء الاصطناعي. لقد تغيرت الأدوات، وأصبحت النماذج أكثر قدرة، لكن السؤال الأساسي ظل قريبًا من بدايته: كيف يمكن استخدام التكنولوجيا لتحويل المعلومات المتفرقة إلى معرفة يمكن الوصول إليها والاستفادة منها؟
وفي زمن أصبح فيه إنتاج البيانات أسرع من قدرة البشر على تنظيمها، لم تعد الأرشفة الرقمية مهمة خلفية، بل أصبحت جزءًا من البنية التي يقوم عليها البحث العلمي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي نفسه. وتجربة حيدر في المركز القومي للبحوث تقدم مثالًا على أن التحول الحقيقي يبدأ غالبًا من أشياء تبدو بسيطة: تنظيم ملف، بناء مستودع، تدريب مستخدم، ووضع أساس يسمح للمؤسسة بأن تتعلم من معرفتها بدل أن تفقدها.

شهادات الادخار من بنك مصر مدد متنوعه.. دوريات مرنة .. عوائد تنافسية شهادات الادخار من بنك مصر مدد متنوعه.. دوريات مرنة .. عوائد تنافسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى