
قمة القاهرة والرياض: هل يستعيد العرب بوصلة عبدالناصر قبل فوات الأوان؟
قمة القاهرة والرياض: هل يستعيد العرب بوصلة عبدالناصر قبل فوات الأوان؟
بقلم: اسلام صالح
في التاريخ السياسي للأمم لحظات استثنائية تسقط فيها الأوهام وتتكشف الحقائق جليّة بلا مساحيق. وتأتي الزيارة الرسمية لولي العهد السعودي إلى القاهرة اليوم لتضع الإقليم بأكمله أمام تساؤل استراتيجي أزلي: هل تستند الأمة العربية إلى قوتها الذاتية ومشروعها القومي الجامع، أم تظل رهينة المظلات الأمنية الخارجية التي تنزع عن العواصم سيادتها عند أول مفترق طرق؟
من منظور الفكر الناصري، الذي قام في جوهره على استقلالية الإرادة الوطنية وإقرار حتمية “القومية العربية” كدرع حصين، لا يمكن قراءة الحركة السياسية بين الرياض والقاهرة بمعزل عن المقولة التاريخية الراسخة: «المتغطي بالأمريكان عريان».
وهم “المظلة الخارجية” وسقوط الرهانات
تثبت الأزمات المتلاحقة في البحر الأحمر، وفلسطين، والسودان، والقرن الأفريقي أن الحلفاء الدوليين لا يقيمون وزناً إلا لمصالحهم الخاصة. إن الاعتماد على القوى الإمبريالية والغربية لحماية الأمن الإقليمي يولد نتائج ثلاثية الكارثية:
* انكشاف أمني عند لحظة الحقيقة: الحماية الاستعمارية متغيرة ومحكومة بالتوازنات الانتخابية في واشنطن والغرب، مما يجعل الاعتماد عليها مقامرة بالسيادة الوطنية.
* ابتزاز الثروات والقرار: تحويل الأمن إلى “خدمة مستوردة” يُكلف شعوب المنطقة أثماناً باهظة من ثرواتها الاستراتيجية وقرارها السيادي.
* تفتيت الجبهة الداخلية: البحث عن مظلات حماية خارج الجغرافيا العربية يعزز حالة التجزئة ويحول الأقطار إلى ساحات نفوذ للصراعات الدولية.
المشروع الناصري: البديل الوحيد للأمن القومي
لم تكن القومية العربية في الطرح الناصري شعاراً عاطفياً، بل كانت معادلة هجومية ودفاعية لبناء القوة الذاتية. وتتأكد اليوم حتمية العودة إلى هذا المشروع بوصفه المخرج الوحيد عبر محور القاهرة–الرياض:
* الكتلة الصلبة واسترداد القرار: إن التلاحم بين القوة العسكرية والديمغرافية لمصر والثقل الاقتصادي والدبلوماسي للسعودية يمثل النواة الحقيقية لأي نظام أمن قومي عربي مستقل. متى ما تُوج هذا التنسيق بإرادة قومية متحررة من الضغوط الخارجية، تحوّل العرب من “مفعول بهم” إلى “فاعل رئيسي”.
* صيانة حوض البحر الأحمر والأمن المائي: التحديات الشاخصة في باب المندب والقرن الأفريقي لا يُمكن حلها باستدعاء أساطيل أجنبية، بل بتأسيس منظومة دفاعية عربية مشتركة تحمي الممرات المائية الحيوية من الاستقطاب الدولي.
* فلسطين كمعيار للاستقلال: يظل جوهر المشروع الناصري مؤكداً على أن قضية فلسطين هي بوصلة الأمن العربي؛ وأن أي التفاف عليها عبر ترتيبات أمنية مدعومة أمريكياً يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار القاهرة والرياض قبل غيرهما.
إن زيارة اليوم في القاهرة يجب ألا تقتصر على التفاهمات التكتيكية أو إدارة الأزمات اليومية، بل يجب أن تُشكل نقطة انطلاق لقطع دابر الاعتماد على الحليف الخارجي. إن الرسالة الأكثر نضجاً التي يقدمها التحليل الناصري للمشهد الراهن هي أن الحماية لا تُستورد من واشنطن، والكرامة لا تُحفظ بوعود الإمبريالية.
يبقى التحالف العربي المستقل، المبني على ثوابت القومية والمصير المشترك، هو السقف الصلب الذي يقي المنطقة عواصف الإقليم، مؤكداً العبرة التاريخية التي لا تموت: «أن من يبتغي العزة في غير أمتخله وإرادته الذاتية… يظل مكشوفاً عارياً أمام التاريخ.»




