
بين الميدان والقرار: 30 يونيو في ميزان التاريخ
بين الميدان والقرار: 30 يونيو في ميزان التاريخ
بقلم : مؤمن هاشم النواوي
في 30 يونيو 2013، لم تكن القاهرة وحدها هي التي امتلأت. الميادين من الإسكندرية إلى أسوان، ومن الجيزة إلى سيناء، تحولت إلى ساحة رأي عام مفتوحة. بعدها بساعات، صدر قرار سياسي غيّر مسار الدولة. وبين “الميدان” و”القرار” تقف 11 سنة كاملة نحاول أن نقرأها اليوم دون شعارات، بميزان التاريخ.
أولاً: لحظة 30 يونيو.. السياق وليس الحدث فقط
لا يمكن فهم 30 يونيو كيوم عابر. كانت محصلة 3 سنوات من أزمات متتالية: شلل سياسي، اقتصاد متراجع، احتياطي نقدي يقترب من حافة الخطر، وغياب توافق مجتمعي حول هوية الدولة ومسارها.
المطلب الرئيسي الذي خرج به الملايين كان محدداً: انتخابات رئاسية مبكرة. لم يكن الهدف هدم مؤسسات، بقدر ما كان المطالبة بإعادة ضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم عبر صندوق الاقتراع.
وهنا برزت لحظة “القرار”: بيان القوات المسلحة في 3 يوليو، الذي تبنى مطالب الشارع وطرح خارطة طريق شملت تعطيل الدستور، تشكيل حكومة تكنوقراط، والذهاب لاستفتاء ودستور وانتخابات.
الميدان قدم الضغط الشعبي. القرار قدم الإطار المؤسسي. ومن تزاوج الاثنين بدأت مرحلة جديدة.
ثانياً: 11 سنة في 3 ملفات
1- الملف السياسي والمؤسسي
مرت مصر خلال 2013-2014 بثلاث استحقاقات متتالية: دستور 2014، ثم انتخابات رئاسية وبرلمانية. انتهت مرحلة الفراغ التشريعي، واستعادت الدولة حضورها الإقليمي والدولي تدريجياً.
الأهم: عاد مفهوم “الدولة” كمرجعية للقرار، بعد سنوات سيطر فيها منطق الجماعة والفصيل.
2- الملف الاقتصادي والتنموي
من 2014 بدأت الدولة رهاناً كبيراً على مشروعات البنية التحتية: قناة السويس الجديدة، شبكة الطرق القومية، مدن جديدة، ملف الطاقة والغاز، والعاصمة الإدارية. الهدف المعلن كان كسر الاختناق العمراني وجذب استثمار، وتغيير خريطة الاقتصاد.
الأرقام تقول إن احتياطي النقد الأجنبي قفز من أقل من 15 مليار دولار في 2013 إلى تجاوز 40 مليار دولار في سنوات الذروة، قبل ضغوط السنوات الأخيرة. البطالة انخفضت من 13.3% في 2013 إلى مستويات أدنى قبل أزمة التضخم العالمية.
لكن في المقابل، ارتفع الدين الخارجي، وتوسعت فاتورة الدعم، وأصبح التحدي الأكبر هو ترجمة المشروعات الكبرى إلى انعكاس مباشر على سعر السلع ودخل الأسرة.
3- الملف الأمني والمجتمعي
كانت المواجهة مع الإرهاب في سيناء ومحافظات الدلتا أحد أبرز عناوين المرحلة. مع نهاية 2018 تراجعت العمليات الكبرى بشكل ملحوظ.
بالتوازي، برز ملف “بناء الإنسان”: حياة كريمة، 100 مليون صحة، تطوير التعليم الفني، وملف الحوار الوطني. هذه الملفات تمثل محاولة الدولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التنمية.
ثالثاً: ميزان 2026.. ماذا تحقق وماذا تبقى؟
بعد 11 سنة، لا يصح الحكم على 30 يونيو بشعارات “نجاح مطلق” أو “فشل مطلق”. الميزان أدق:
– ما تحقق: استقرار مؤسسي نسبي، بنية تحتية تغيرت جذرياً، عودة مصر كلاعب إقليمي لا يمكن تجاوزه في ملفات غزة وليبيا والسودان والبحر الأحمر، وخروج قطاع الطاقة من العجز إلى الاكتفاء ثم التصدير.
– ما تبقى مفتوحاً: معركة الأسعار، تقليل الاعتماد على الاستيراد، تعميق الصناعة المحلية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النمو. المواطن لا يقيس 30 يونيو بمشروع، بل بقدرته الشرائية وفرص عمله. وهنا يقع جوهر التحدي للسنوات القادمة.
– الدرس الأهم: شرعية الميادين تحتاج كل يوم إلى أن تتحول إلى نتائج ملموسة. التاريخ لا يحاكم النوايا، بل يحاكم الأثر.
خاتمة: نقطة انطلاق لا نقطة نهاية
30 يونيو لم تكن نهاية قصة، بل كانت فصلاً فاصلاً. فصل أغلق مرحلة اضطراب، وفتح مرحلة بناء تحت ضغط.
اليوم، ومع تغير العالم حولنا: حروب إقليمية، أزمات مناخ، وتضخم عالمي، يبقى السؤال الذي سيحكم عليه التاريخ بعد 10 سنوات أخرى: هل نجحنا في تحويل الزخم الذي بدأ من الميدان، إلى دولة إنتاج وتصدير وعدالة توزيع؟
الإجابة على هذا السؤال هي وحدها “ميزان التاريخ” الحقي.




