
30 يونيو : حين انتصرت الدولة وبدأت معركة بناء الإنسان
30 يونيو :حين انتصرت الدولة وبدأت معركة بناء الإنسان
كتب: رؤوف حسين
ليست كل الثورات تُقاس بعدد المتظاهرين، ولا كل التحولات تُختزل في تغيير سلطة أو إسقاط نظام. فهناك لحظات تاريخية تصبح فيها الدولة نفسها على المحك، ويصبح الحفاظ على الوطن هو القضية الأولى التي تتقدم على كل القضايا. ومن هذا المنطلق، تبقى ثورة الثلاثين من يونيو واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، لأنها لم تكن مجرد حدث سياسي، بل نقطة فاصلة بين مرحلة كادت الدولة فيها أن تفقد توازنها، وأخرى بدأت فيها رحلة استعادة المؤسسات والانطلاق نحو مشروع تنموي واسع.
في صيف عام 2013، كانت مصر تواجه تحديات غير مسبوقة. الإرهاب يفرض حضوره في سيناء، والاقتصاد يعاني من تراجع حاد، والبطالة تتزايد، واحتياطي النقد الأجنبي يقترب من مستويات مقلقة، فيما كانت أزمة الكهرباء تضرب المنازل والمصانع يوميًا، وتنعكس على حياة المواطنين بصورة مباشرة. في تلك اللحظة، لم يكن المواطن يبحث عن رفاهية، بل عن الأمن والاستقرار، وعن دولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية.
وجاءت 30 يونيو لتعلن بداية مرحلة جديدة، كان عنوانها الأول استعادة الدولة، ثم الانتقال إلى إعادة بنائها. فمنذ ذلك التاريخ، أدركت القيادة المصرية أن التنمية لا يمكن أن تبدأ قبل تثبيت الأمن، ولذلك خاضت القوات المسلحة والشرطة معركة شرسة ضد الإرهاب، خاصة في شمال سيناء، انتهت إلى استعادة السيطرة على الأرض، لتبدأ بعدها مرحلة التنمية والعمران، من خلال مشروعات الطرق والأنفاق والمدن الجديدة التي أعادت دمج سيناء في قلب الجمهورية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، اتخذت الدولة قرارات إصلاحية صعبة تحمل المواطن جزءًا كبيرًا من تكلفتها، لكنها كانت تستهدف إنقاذ الاقتصاد من حالة التراجع. ورغم ما صاحب تلك الإجراءات من تحديات وضغوط معيشية، فإنها أسهمت في تعزيز الاحتياطي النقدي، وتحسين مؤشرات النمو، وخفض معدلات البطالة، وزيادة قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات الإقليمية والعالمية. صحيح أن المواطن لا يزال يشعر بوطأة ارتفاع الأسعار، لكن الاقتصاد بات أكثر قدرة على الصمود مقارنة بما كان عليه قبل أكثر من عقد.
ولعل أزمة الكهرباء تقدم نموذجًا واضحًا للتحول الذي شهدته الدولة. فمن ذاكرة الانقطاعات اليومية التي كانت تربك حياة الأسر وتعطل عجلة الإنتاج، أصبحت مصر تمتلك فائضًا في قدرات التوليد، إلى جانب توسع كبير في مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة، وهو ما وفر بيئة أكثر استقرارا للاستثمار والصناعة، ورسخ مفهوم الأمن الطاقي باعتباره أحد أركان الأمن القومي.
كما شهدت البنية التحتية طفرة غير مسبوقة، عبر إنشاء آلاف الكيلومترات من الطرق والكباري ، وتطوير السكك الحديدية والموانئ والمطارات ، وهي مشروعات لم يكن هدفها تحسين حركة النقل فقط، بل فتح آفاق جديدة للاستثمار وربط مناطق التنمية ببعضها البعض، بما ينعكس على الاقتصاد وفرص العمل وجودة الحياة .
ولم يقتصر مشروع الدولة على الخرسانة والرصف بل امتد إلى الإنسان نفسه . ففي قطاع الصحة، أطلقت الدولة مبادرات قومية غير مسبوقة ، كان أبرزها حملة القضاء على فيروس “سي” ومبادرة “100 مليون صحة”، التي قدمت نموذجاً جديدا للرعاية الصحية الوقائية، إلى جانب التوسع في منظومة التأمين الصحي الشامل، بما يعكس تحولات حقيقية في فلسفة تقديم الخدمة الصحية.
وفي التعليم، ورغم استمرار التحديات، فإن السنوات الماضية شهدت توسعا في إنشاء المدارس والجامعات التكنولوجية والدولية ، مع محاولات لتطوير المناهج وربط التعليم باحتياجات سوق العمل ، انطلاقاً من قناعة بأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي لأي دولة تسعى إلى مستقبل أكثر استدامة.
أما مبادرة “حياة كريمة”، فقد مثلت أحد أهم وجوه العدالة الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، بعدما نقلت التنمية إلى القرى الأكثر احتياجا ، من خلال تطوير شبكات المياه والصرف الصحي والطرق والوحدات الصحية والمدارس، لتؤكد أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا وصلت إلى المواطن في مكان إقامته وليس فقط إلى المدن الكبرى.
وعلى المستوى الخارجي، استعادت مصر حضورها الإقليمي والدولي مستندة إلى استقرار مؤسساتها وقدرتها على إدارة الملفات المعقدة في المنطقة، مع استمرار موقفها الثابت تجاه القضية الفلسطينية، والدعوة إلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
ورغم كل ما تحقق ، فإن الطريق لا يزال طويلًا. فما زالت هناك تحديات اقتصادية وضغوط معيشية يواجهها المواطن ، كما أن الحفاظ على معدلات التنمية يتطلب استمرار الإصلاح ، وتعزيز الإنتاج ، ودعم القطاع الخاص ، وخلق المزيد من فرص العمل، إلى جانب تطوير الخدمات العامة بما يتناسب مع تطلعات المصريين .
إن قيمة الثلاثين من يونيو لا تكمن فقط في أنها أنقذت الدولة من لحظة فارقة ، وإنما في أنها فتحت الباب أمام مشروع وطني واسع لإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وبنيتها الأساسية. واليوم، وبعد سنوات من العمل، تبقى المعادلة الحقيقية هي أن نجاح أي مشروع تنموي لا يقاس بعدد الطرق أو المدن الجديدة، بل بقدرته على تحسين حياة الإنسان، وتعزيز شعوره بالأمان، ومنحه فرصة عادلة للعمل والتعليم والعلاج والحياة الكريمة.
وهكذا، ستظل 30 يونيو محطة تاريخية فارقة في مسيرة الوطن، ليس لأنها أنهت مرحلة مضطربة فحسب، بل لأنها دشنت مرحلة جديدة عنوانها أن قوة الدولة لا تبنى بالشعارات ، وإنما بالإرادة والعمل، وأن الإنسان سيظل دائمًا الهدف والغاية لأي مشروع وطني حقيقي.



