
الدكتورة ليلى الطاهر، عضو هيئة التدريس كلية الآداب جامعة قنا تكتب: التَّعْلِيمُ وَبِنَاءُ الإِنْسَانِ… حِينَ نَصْنَعُ الفَرْقَ
التَّعْلِيمُ وَبِنَاءُ الإِنْسَانِ.. حِينَ نَصْنَعُ الفَرْق.. مقال بقلم الدكتورة ليلى الطاهر
التَّعْلِيمُ وَبِنَاءُ الإِنْسَانِ.. حِينَ نَصْنَعُ الفَرْق
بقلم:
د. ليلى الطاهر — عضو هيئة التدريس — كلية الآداب — جامعة قنا
في زمنٍ تتسارع فيه عجلة المعرفة وتتداخل فيه التقنيات الحديثة لتعيد تشكيل ملامح الحياة اليومية وأسس المستقبل، لم يعد التعليم مجرَّد طريقًا للحصول على شهادةٍ أكاديميةٍ أو وسيلةٍ للالتحاق بوظيفةٍ تقليدية؛ بل تحوَّل في جوهره وعمقه ليصبح ركيزةً أساسيَّةً لبناء وصناعة الإنسان المتكامل، وصقل مهاراته الفكرية والإنسانية، وتأهيله لمواجهة تحديات الحياة ومتغيراتها بثباتٍ ووعيٍ وثقة.
إن التحول الرقمي والتطور المذهل في الذكاء الاصطناعي وثورة الاتصالات قد يمنحانا إجابات فورية وسريعة عن آلاف الأسئلة، لكنهما أبداً لا يستطيعان غرس التفكير السليم، ولا بناء الضمير الإنساني، ولا تزويد الطالب بالقيم والمبادئ التي تُوجّه معارفه نحو الخير والتعمير، ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للتعليم البنّاء؛ فهو الذي يحوّل المعلومة المجردة إلى حكمة عملية، ويصنع من المعرفة أداةً للنهوض والارتقاء بالفرد والمجتمع على حدٍّ سواء.
ومع انطلاق عامٍ دراسيٍ جديد، يقف المجتمع بأسره — من أسرٍ ومؤسساتٍ تربويةٍ وإعلامية — أمام فرصةٍ حقيقية ومسؤوليةٍ حضارية كبرى؛ لنقف جميعًا بتساؤلٍ جوهريٍ وعميق: ماذا نريد أن نغرس ونترك في عقول أبنائنا وقلوبهم؟ هل نكتفي بتقديم كمًّا هائلًا من المعلومات المجردة والمناهج الصماء التي سرعان ما تُنسى بعد الخروج من قاعات الامتحان، أم نسعى لخلق شغَفًا مستدامًا بالمعرفة والتعلم الذاتي، وغرس ثقة راسخة في نفوسهم تمكّنهم من قراءة المستقبل بكل إقدام وابتكار؟!
إنَّ العلاقة بين المعلِّم والطالب هي القلب النابض للعملية التعليمية والأصل في نجاحها؛ فكلما قامت هذه العلاقة على الحوار المثمر، والثقة المتبادلة، والاحترام الأكاديمي والإنساني، أصبح التّعلم أكثرَ حياةً وأقربَ إلى الواقع والتطبيق.
إن المدرسة والجامعة لا ينبغي أن تكونا مجرد محطتَيْنِ لتأدية الاختبارات وحصد الدرجات للوصول إلى الشهادة فقط، بل يجب أن تكونا فضاءً تربويًّا وتثقيفًّا واسعًّا تتشكل فيه الشخصية الإنسانية المتوازنة، وتتسع فيه الرؤية للكون والحياة، ويتعلم فيه الإنسان كيف يكون عضوًا فاعلًا ونافعًا
لنفسه ولمجتمعه وأمته.
ومع استقبال السنة الدراسية الجديدة، نحن أمام فرصة تجديدية لننظر إلى التعليم باعتباره رحلةً شغوفةً لا تتوقف عند حدود المحاضرة والامتحان أو جدران الفصل الدراسي، بل تمتد لتستوعب الحياة كلها بجميع مجالاتها. إنها فرصة سانحة لنمنح أبناءنا الثقةَ العميقة إلى جانب المعرفة النظرية، ونحتفي بمحاولاتهم واجتهاداتهم واستكشافاتهم كما نحتفي بتميزهم ونجاحهم.
إن كل بداية لعام الدراسي جديد يحمل معه بداياتٍ واعدة، أحلامًا جديدة، آمالًا عريضة بأن يكون الغدُ أكثرَ نماءً وتطورًا. وما أجملَ أن نبدأ هذا العامَ ونحن نؤمن إيمانًا جازمًا أنَّ كل طالب يحمل في داخله طاقة وقدرة فريدة تستحق أن تُكتشَف وتُرعَى، وأنَّ كل معلم يستطيع بإخلاصه وفكره أن يترك أثرًا بليغاً ينير درب أجيال متعاقبة، وأنَّ كل درس يمكن أن يكون خطوةً حقيقية نحو بناء مستقبل أكثر ضياءً وإشراقًا، فلنجعل من عامنا الدراسي الجديد بدايةً حقيقية للعلم، وبدايةً للأمل، وبدايةً راسخة لبناء إنسان قادر على أن يخوض الحياة بشرف ويصنع الفرق.
إنَّ التعليم الذي نطمح إليه ونسعى لترسيخه ليس تعليمًا يملأ العقول بالمعلومات والصيغ الجاهزة فقط، بل هو تعليم يوقظ الفضول العلمي، ويمنح الثقة للنفس، ويشجِّع على التجربة والابتكار، ويجعل المعرفةَ قريبةً من مجريات الحياة ومتطلبات الواقع هو تعليم يربط التفكير بالعمل، والحرية بالمسؤولية، والأصالة بالمعاصرة.
ولعلَّ رسالتنا الجامعة في هذا الموعد التجديدي تكون بسيطةً وواضحة: لنُعِد إلى التعليم شغَفَهُ الجميل، وإلى الطالب فضولَهُ الشغوف، وإلى المعلم حماسَهُ ورسالته السامية، وإلى المدرسة والجامعة روحَهما التربوية الحية فحين يجتمع العلم بالقيم، ويقترن الفكر بالشغف، تصبح رحلة التّعلم أكثرَ إنسانيَّةً وأعمق أثرًا، ويصبح المستقبل أكثرَ اتساعًا وإشراقًا لأبنائنا وللوطن ككل.
ختامًا:
تَعَلَّمْ فَلَيْسَ الْمَرْءُ يُولَدُ عَالِمًا … وَلَيْسَ أَخُو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وَإِنَّ كَبِيرَ الْقَوْمِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ …
صَغِيرٌ إِذَا الْتَفَّتْ عَلَيْهِ الْجَحَافِلُ
وَإِنَّ صَغِيرَ الْقَوْمِ إِنْ كَانَ عَالِمًا … كَبِيرٌ إِذَا رُدَّتْ إِلَيْهِ الْمَحَافِلُ





