اخبار

غربة الروح : إضاءة نقدية إبداعية على المجموعة القصصية مجاذيب النشوى للكاتبة الدكتورة إيمان مرزوق

 

كتب الناقد الأدبي/ د . عادل يوسف 

   الغربة إحساس مؤلم وقاسي ينغص حياة الإنسان ، وللغربة أنواع متعددة منها : غربة الوطن ، وغربة الأهل والأحباب ، وغربة الروح .

  وتعتبر غربة الروح أشد أنواع الغربة قسوة، وهي أن تشعر أنك غريبا مع نفسك، وأن تتوه داخل نفسك، وتجد تساؤلات كثيرة لا تجد لها جوابا ،فلا تعرف هدفك في الحياة تلك هي الغربة الحقة ، وقد تحدثت الدكتورة إيمان مرزوق في مجموعتها القصصية الثانية مجاذيب النشوى عن الغربة بكل أشكالها، وآثارها.

    وقد تضمنت هذه المجموعة القصصية حوالى ستين نصا قصصيا ، وغلب عليها نمط القصة القصيرة جدا ،والتي تكونت من فقرتين أو ثلاث فقرات في الأعم الأغلب.وقد تزينت هذه المجموعة القصصية بعدد من اللوحات التشكيلية الرائعة وجاءت كل لوحة معبرة ببراعة عن مضمون القصة الأدبية المكتوبة فيها.

    ونقف على قصة ( فاتورة معلقة) تقول الكاتبة معبرة عن غربة الوطن:” عاش هناك أكثر من عشرين عاما حتى أصبح موطنه وبلاده كاستراحة طير مهاجر وأصبح في بلاده كزائر غريب عابر امتلك الكثير من المال ولكنه ظل يراوغ رغبته في استرداد شرايين الوطن ولكن عمره كان هو الفاتورة.

   بينما نجد غربة الزوج مع شريكة حياته في قصة ( كانت تعلم) : ” صار الزوج ينازع معها كل ليلة، فلا هي تفهمه ،ولا يقدر أن يبعد عن نفسه أذاها ،عانى الكثير معها على مدار السنوات والأيام، كان يتمنى أن يعيش حياة بسيطة مطمئنة مع من تحتويه وتفهمه “

وفي قصة ( صوب السحاب) نجد الإحساس بالاغتراب وضياع العمر تقول الكاتبة :” أحس بالفرح والسرور عند قبول العمل في الشركة العالمية الشهيرة ،وسافر إليها ليرى العالم الذي اشتاقت إليه نفسه، وكان في غاية الفرحة والسرور واعتاد المدن والشوارع هناك واستمرعلى ذلك سنوات وسنوات ،وتلونت الأحلام حتى استيقظ على الألم والحزن بعد أن انقضى شريط العمر”

والآن نبدأ في تسليط الإضاءات الإبداعية على بعض عناصر التميز في المجموعة القصصية ( مجاذيب النشوى).

أولا: العنوان، مجاذيب النشوى.

قبل الدخول في دهاليز هذه المجموعة القصصية كان لزاما علينا مصافحة هذا العنوان، وعند مصافحته وجدنا أنه عنوان جديد لم نعتد على مثيله في المجموعات القصصية المختلفة، وهو عنوان لإحدى القصص في المجموعة القصصية ،وليس عمودا تستند عليه بقية القصص فكل قصة في المجموعة تصلح أن تكون عنوانا للمجموعة القصصية ، ومجاذيب النشوى يقودنا إلى بعض الأسئلة المهمة وهي : من هم المجاذيب ؟ وما المقصود بالنشوى ؟ وما دلالة الإضافة؟

المجذوب في هذه القصة هو من جذبه الله إلى حضرته وأعطاه ما شاء من المواهب والأسرار بلا مجاهدة وأصبح حب الله في قلبه لا ينازعه فيه شيء ،والنشوى هي شعور الإنسان بكامل المتعة والسعادة نتيجة حبه الشديد لله.

ثانيا : أنواع القصص في المجموعة القصصية مجاذيب النشوى

قصة الحالة:

وهي القصة التي يهتم الكاتب فيها بوضع حالة البطل دون غيرها فيصبح هو الغاية، وبؤرة الاهتمام، وموضوع النص، وبدايته ومنتهاه، وهنا عدد كبير من هذا النوع على سبيل المثال قصة ( فاتورة معلقة) تقول الكاتبة :

“لقد تعلم هناك عمل ،ونجح ،وكبر، وتطور، وعاش أكثر من عشرين عاما هناك، امتلك الكثير من الأمور، ظل يراوغ، ويقاوم رغبته في العودة للوطن”

نلاحظ تركيز الكاتبة على حالة بطل القصة في غربته فقط.

قصة المفاجأة:

  يتميز هذا النوع من القصص بأن له نهاية غير متوقعة ، ربما لا تخطر على بال المتلقي ، وقد وجد هذا النوع بكثرة في هذه المجموعة القصصية لما يخلقه هذا النوع من تنشيط للذهن، وجذب الانتباه ،والمتعة القرائية ومن أمثلة هذا النوع قصة ( زلزال) تقول الكاتبة: ” كان يسمع هذا الصوت كل ليلة يخترق آذانه يزلزل وجدانه ،حاول أن يعرف مصدره، من أين يأتي؟ وإلى أين يتجه ؟ لماذا تزداد حدته ؟ وأحيانا تضعف ؟ ظل يبحث عنه في كل جوار ، يطرق كل الأبواب ، ويسأل كل الأقمار، ثم يكتشف في النهاية أن منبع هذا الصوت هو قلبه”

لقد كانت النهاية غير متوقعة فقد وجد أن مصدر الصوت الذي ظل يبحث طول القصة هو قلبه.

قصة التناقض:

هي قصة تحتوي على المفارقة أو التناقض ، وهذا النوع من القصص يثير التشويق والمتعة واللذة ، ولنتأمل معا قصة ( كانت تعلم) التي تبين كيف يحتدم الصراع بين الزوجين مع أن الأساس هو المودة والألفة تقول الكاتبة : 

” أحالت ليلته نارا ،وأثارت حوله العاصفة ، استمرت في لعبة الحصار فلا ترضى بالمشاركة ،ولا ترضى بالمفارقة ،حاولت كثيرا أن ترهقه بالمصاريف “

قصة الدراما:

هي قصة تتحدث عن حدث اجتماعي أو عاطفي، يكشف لنا عن جرح أو ألم يبلى الزمن، ولا يبلى ذكراه، كالذي نجده في قصة ( حشد كبير) تقول الكاتبة ” تجمهر الجميع أمام منزله ،في ذلك اليوم في انتظار ظهوره، متمنين أن يروه وينعموا بطيبة قلبه وعذوبة حضوره ، كانت ليلة قاسية حزينة ، لا أحد يقوى على كتم النفس ،الدموع تملأ الأعين، أمواج البحر لم تهدأ، ولم يظهر للقمر نور، فقد كان هذا أخر لقاء لهذا الرجل ، وهذا الجمهور قد جاء لوداعه”

القصة الرمزية:

الرمز في أي جنس أدبي يترك أثرا عميقا في نفس المتلقي، وقد لا يصل الكلام العادي ونلمس ملامح الرمزية في قصة ( لا تطرق الباب) تقول الكاتبة ” أبحر أحد الشبان نحو قلعة مشيدة ومحصنة بأسوار الصدق والإحسان، جاء طامحا ينال حكمها متمنيا القرب من شواطئ دفئها “

فهذه القلعة المحصنة رمز للحبيبة الصعبة المنال.

ثالثا: اللغة.

تظهر في هذه المجموعة القصصية تجليات البلاغة ووضوح اللغة الشعرية قصة ( أمواج) ولعل قصة (تميمة عشق) تمثل خروجا واضحا على النمط الكتابي الذي اتصفت به عذه المجموعة القصصية حيث نجد لغة شعرية زائدة فنحن أمام قصة تتخذ من الشعر والموسيقى أسلوبا لها تقول الكاتبة إيمان مرزوق في قصة (تميمة عشق):

“ما بين لهفة للقاء ونداء وروح

مفتون بك .. أم أن طيفك سراب يلوح

تذكرك نفسي كأمنية راهب أو عزف وتر حنين يبوح

لأنك تدري ما أنت عندي تعاند قلبي بكل جموح

تعاندك روحي سلاما ونورا يضمد كل الجروح”

نلاحظ مدى التميز الفني من خلال اللغة الشاعرية التي تكاد تصل إلى حد الغنائية.

رابعا-الحوار :

   لقد وظفت الكاتبة الحوار القصصي توظيفا بارعا، حيث كشف الحوار عن أعماق ومكنونات الشخصيات ، وبين ملامحها ،وثقافتها، وطبقتها الاجتماعية، وحالتها النفسية في المجموعة القصصية مجاذيب النشوى.

7-وأخيرا :

   أقول للكاتبةالدكتورة إيمان مرزوق:أيتها الكاتبة المبدعة صاحبة الكلمات الراقية والإحساس المرهف ،لقد استطعت أن تجعلي من الكلمات مصابيح مضيئة ، ورسمت بحروفك الأنيقة الكثير من المعاني الرائعة في كل قصة من مجموعتك القصصية مجاذيب النشوى، وإلى اللقاء في عمل جديد إن شاء الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى