
تخيل أن تجلس مع شخص يحمل أرفع الألقاب الأكاديمية لكنه يعجز عن إدارة حوار أو يضيق صدره بأي رأي يخالفه بينما تلتقي في المقابل بإنسان لم تطأ قدماه مدرجاً جامعياً قط وتجده يفيض حكمة ووعياً وهنا يفرض السؤال نفسه متى تحولت الشهادة الجامعية من مجرد وثيقة تخصصية إلى صك وجاهة يمنح صاحبه هيبة زائفة بغض النظر عن محتوى عقله؟
– فخ الورقة المختومة
الشهادة قد تمنحك فرصة عمل لكنها لا تمنحك بالضرورة عقلاً ناضجاً فأخطر ما يواجهه المجتمع اليوم هو الجهل المقنّع بالدرجات العلمية فنري شخص يحمل شهادة عليا في مجال دقيق لكنه يعيش في قوقعة معزولة يجهل قضايا واقعه وتاريخ أمته ويتعصب لرأيه ظناً منه أن الحبر والختم يعصمانه من الخطأ هذا الجهل أشد فتكاً من أمية القراءة والكتابة لأنه يستتر خلف مكانة إجتماعية مضللة.
– التاريخ لا يعترف بالقيود الورقية
لو كانت المعرفة حكراً على جدران الجامعات لما أضاءت أسماء العظماء دروب الفكر الإنساني فمثلاً عباس محمود العقاد عملاق الفكر والأدب الذي بنى موسوعة معرفية بمئات الكتب وهو لا يحمل سوى الشهادة الإبتدائية وأيضا أحمد فؤاد نجم وجمال الغيطاني أثريا الوجدان والقصة العربية دون أن يعيقهما المسار الأكاديمي التقليدي وعلي الصعيد العالمي نجد دافنشي وبيل غيتس ومارك زوكربيرج نماذج عالمية أثبتت أن الشغف والإكتشاف والإبتكار أقوى من أي مسار تعليمي معلب.
– جوهر العقل المستنير
التعليم الحقيقي ليس محطة تنتهي بيوم التخرج بل هو رحلة تبدأ بالفضول وتستمر بالسعي الذاتي ويتجسد في ثلاثة أركان:
1- التفكير النقدي وتمييز الحقيقة من الزيف والإبتعاد عن السطحية والشائعات.
2- المرونة الفكرية وتقبل الرأي الآخر ونبذ التعصب وضيق الأفق.
3- النهم المعرفي و القراءة في الأدب والفلسفة والتاريخ والتعلم المستمر في شتى فروع الحياة.
الخلاصة أن القضية ليست دعوة للتقاعس عن الدراسة لمن أتيحت له الفرصة بل تذكير بأن نقص الشهادة لا ينقص من قيمتك إن كان عقلك حياً ومطلعاً وتحمل أعلى الدرجات لا يمنحك حصانة إن كان فكرك راكداً فالمؤهل قد يفتح لك باباً واحداً أما السعي الذاتي والوعي المستمر فهما التاج الوحيد الذي لا يسقط أبداً.
زر الذهاب إلى الأعلى