اخبار

انهيار المجتمع المصري وانقطاع الروابط

خدمات متفصلة عليك قدم علي قرض المشاريع المتوسطه والصغيره ومتناهية الصغر علشان تبدأ أو تكبر مشىوعك

انهيار المجتمع المصري وانقطاع الروابط

بقلم: حسين ابو النصر

شهادات الادخار من بنك مصر مدد متنوعه.. دوريات مرنة .. عوائد تنافسية شهادات الادخار من بنك مصر مدد متنوعه.. دوريات مرنة .. عوائد تنافسية

يبدو أن المجتمع المصري اليوم يدخل واحدة من أخطر مراحل التحول في تاريخه الحديث؛ فالمشهد لم يعد مجرد حوادث فردية متفرقة، ولا مجرد جرائم نقرأ عنها ثم نطوي صفحاتها، وإنما أصبحنا أمام ظاهرة تستحق التوقف والتأمل: تراجع الروابط الإنسانية، وتآكل منظومة القيم، وانحسار الشعور بالمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع.

كل يوم، بل كل ساعة، تطالعنا واقعة جديدة أكثر قسوة من سابقتها؛ جرائم قتل داخل الأسرة، وخلافات تنتهي بإزهاق الأرواح، وشركاء يتحولون إلى خصوم، وأشخاص يقتلون أقرب الناس إليهم بدافع المال أو الانتقام أو الغيرة أو لحظات من الغضب فقدوا فيها القدرة على السيطرة على أنفسهم.

نسمع عن أخ يقتل أخاه، وشريك يقتل أسرة كاملة من أجل المال، ومحامية تُتهم بقتل والدتها، وأب ينهي حياة زوجته وأبنائه وحماته، وزوج يقدم على قتل زوجته وعشيقيها، وفق روايته، انتقامًا لما اعتبره مساسًا بشرفه.

https://www.facebook.com/share/YKgyeWm92MFj1c3o/?mibextid=qi2Omg تمويل العربيه عندنا والبنزين علينا هديه تصل إلي 10.000جنيه بنزين

ولم يعد الأمر مقتصرًا على الجرائم داخل البيوت؛ فالحوادث المتكررة على الطرق تحصد أرواحًا من بينها أطفال، وكوارث وحوادث مفاجئة تهز شعور الناس بالأمان، حتى أصبحت الأخبار اليومية تحمل قدرًا متزايدًا من الخوف والقلق.

https://www.facebook.com/share/YKgyeWm92MFj1c3o/?mibextid=qi2Omg

وفي الوقت نفسه، يتسع الفارق بين طبقات المجتمع بصورة أصبحت أكثر وضوحًا واستفزازًا؛ فبينما يكافح ملايين المصريين من أجل متطلبات الحياة الأساسية، تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد لحياة شديدة الرفاهية، ومشكلات من نوع آخر تتعلق بالساحل والكومبوندات والمظاهر الباذخة للثراء، بما يزيد شعور قطاعات واسعة من الناس بالضيق والاغتراب وعدم العدالة.

فماذا يحدث للمجتمع المصري؟

بل السؤال الأصعب: من هؤلاء الذين نراهم في هذه الجرائم؟ هل هؤلاء هم المصريون الذين عرفناهم؟

ربما لا تكون هذه هي الأسئلة الأهم؛ لأن معرفة الإجابة عنها لن تكفي وحدها لعلاج المشكلة.

السؤال الحقيقي هو: ما الذي اختفى من حياة المصريين؟

هل اختفى الوازع الديني الذي كان يضع حدودًا للخوف من الله والاعتداء على الآخرين؟

هل أصبح الضغط الاقتصادي أقوى من قدرة الإنسان على الاحتمال؟

هل أصبحت تكاليف الزواج وصعوبة تكوين الأسرة أحد أسباب اضطراب العلاقات وارتفاع مستويات التوتر داخل المجتمع؟

هل تراجعت التربية الأسرية التي كانت تعلم الطفل معنى الاحترام، وضبط النفس، والرحمة، وتحمل المسؤولية؟

هل تراجعت مكانة الأب والأم داخل الأسرة، وفقدت الأسرة نفسها جزءًا من دورها باعتبارها المدرسة الأولى للأخلاق؟

وهل أصبحنا نعيش أزمة في مفهوم الرجولة، حين تتحول القوة من حماية الأسرة وتحمل المسؤولية إلى عنف وسيطرة وانتقام؟

وفي المقابل، هل أخطأنا في فهم معنى تمكين المرأة وحريتها، فتحولت بعض الخطابات من المطالبة بالحقوق والكرامة إلى صراع بين الرجل والمرأة، بدلًا من أن يكون الطرفان شريكين في بناء الأسرة والمجتمع؟

لكن المشكلة لا يمكن اختزالها في الدين أو الاقتصاد أو المرأة أو الرجل وحده، المشكلة أكبر من ذلك بكثير، فنحن أمام منظومة اجتماعية كاملة تتغير.

لقد كانت هناك أفعال وعادات بسيطة يمارسها المصريون بصورة شبه تلقائية، وكانت تقوم بدور غير مكتوب في حماية المجتمع.

كان الجار يعرف جاره، وكانت العائلة الكبيرة حاضرة في حياة أبنائها، وكان الكبير له مكانته، والصغير له رعايته، وكانت المناسبات تجمع الناس، والأفراح والأحزان تُعاش بصورة جماعية.

كان السؤال عن الجار أمرًا طبيعيًا، وكانت صلة الرحم مسؤولية لا تحتاج إلى تذكير، وكان من العيب أن يرى الإنسان مشكلة تخص شخصًا قريبًا منه ثم يتعامل معها وكأنها لا تعنيه.

كان هناك نوع من الرقابة الاجتماعية الإيجابية؛ ليس بمعنى التدخل في حياة الناس، وإنما بمعنى أن الإنسان كان يشعر أنه جزء من جماعة، وأن تصرفاته لا تخصه وحده.

أما اليوم، فأصبح الإنسان أكثر فردية، وأكثر انشغالًا بنفسه، وأحيانًا أكثر عزلة عن محيطه.

أصبحت الشاشات حاضرة في كل بيت، بينما تراجعت جلسات الأسرة، وأصبح التواصل أسرع، لكنه في كثير من الأحيان أصبح أكثر سطحية.

لدينا مئات الأصدقاء والمتابعين على مواقع التواصل، لكننا قد لا نعرف اسم جارنا الذي يسكن بجوارنا.

نستطيع أن نتحدث مع شخص يبعد عنا آلاف الكيلومترات خلال ثوانٍ، بينما قد تمر أسابيع دون أن نسأل عن قريب يسكن في نفس المدينة.

وهنا ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا:
ما الأشياء التي كان المصريون يفعلونها وتميزهم، ثم توقفوا عن فعلها؟
ما العادات التي كانت تربط الأسرة ببعضها؟
ما الذي كان يجعل الجار يشعر بمسؤولية تجاه جاره؟
ما الذي كان يجعل الكبير مرجعًا، والأسرة سندًا، والعائلة شبكة أمان؟
ما الذي كنا نفعله قديمًا لحل الخلاف قبل أن يتحول إلى قطيعة؟
وما الذي كنا نفعله لمنع الغضب من التحول إلى عنف؟

ربما لا يكون الحل في اختراع منظومة جديدة للقيم، وإنما في استعادة بعض ما فقدناه.

نحتاج إلى استعادة معنى الأسرة، لا باعتبارها مجرد أشخاص يعيشون تحت سقف واحد، وإنما باعتبارها مساحة للأمان والتربية والاحتواء.

نحتاج إلى استعادة صلة الرحم، ومفهوم الجيرة، واحترام الكبير، ورعاية الصغير، ومساعدة المحتاج، والقدرة على الاعتذار، وضبط الغضب، واحترام اختلاف الآخرين.

نحتاج إلى أن نعيد تعريف القوة؛ فالقوي ليس من يستطيع إيذاء الآخرين، وإنما من يستطيع أن يملك نفسه عند الغضب.

ونحتاج إلى أن نعيد تعريف الرجولة؛ فالرجولة ليست عنفًا ولا سيطرة ولا انتقامًا، وإنما مسؤولية وشهامة وحماية وتحمل.

كما نحتاج إلى أن نعيد تعريف الحرية؛ فالحرية ليست أن يفعل الإنسان ما يشاء دون مسؤولية، وإنما أن يمارس اختياراته دون أن يهدم حياة الآخرين أو يعتدي على حقوقهم.

وفي النهاية، ربما لا يكون المجتمع المصري قد فقد أخلاقه بالكامل، وربما تكون الصورة أكثر تعقيدًا من أن نحكم على شعب كامل من خلال أسوأ ما يحدث فيه.

لكن المؤكد أن هناك خللًا حقيقيًا في الروابط الاجتماعية يستحق أن نتوقف أمامه.

فالأسرة التي تتفكك، والجار الذي لا يعرف جاره، والقريب الذي لا يسأل عن قريبه، والصديق الذي لا يجد وقتًا لصديقه، والمجتمع الذي يتحول فيه الإنسان إلى فرد منعزل لا يشعر بمسؤوليته تجاه الآخرين؛ كل ذلك يصنع مجتمعًا أكثر هشاشة.

ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: من المخطئ؟، ولا: من السبب؟

وإنما: كيف نعيد بناء الروابط التي انقطعت؟

فربما يبدأ إصلاح المجتمع من أشياء تبدو صغيرة جدًا:

أن نسأل عن قريب غاب، أن نطرق باب جار، أن نجلس مع أبنائنا دون هاتف، أن نستمع قبل أن نحكم، أن نعلم أبناءنا كيف يختلفون دون أن يكرهوا بعضهم، أن نعلمهم أن الغضب ليس مبررًا للعنف، وأن المال لا يساوي حياة إنسان، وأن الأسرة ليست ساحة للصراع، وأن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط، فالمجتمعات لا تنهار فجأة.

إنها تبدأ في الانهيار عندما تنقطع الروابط الصغيرة بين الناس، ثم تتسع الفجوات شيئًا فشيئًا حتى يصبح كل فرد جزيرة منفصلة عن الآخرين.

ولذلك، ربما تكون مهمتنا الحقيقية اليوم ليست فقط أن نسأل: ماذا حدث للمصريين؟

بل أن نسأل: ماذا حدث بين المصريين؟

والأهم من السؤالين: كيف نعيد ما انقطع؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى