
بقلم: آيات محمد عبدالمجيد
أخصائية نفسية إكلينيكية | ماجستير صحة نفسية | باحثة دكتوراه إكلينيكية
آيات محمد عبدالمجيد تطرح سؤالًا مهمًا حول الجريمة وعلم النفس الجنائي
عندما تقع جريمة عنيفة، يكون السؤال الأول الذي يبحث عنه الناس غالبًا: «إيه نوعية الشخص اللي ممكن يعمل كده؟»
وفي هذا السياق، تسلط آيات محمد عبدالمجيد الضوء على العلاقة المعقدة بين الجريمة وشخصية مرتكبها، موضحة أن فهم السلوك الإجرامي لا يمكن اختزاله في وجود «شخصية إجرامية» واحدة.
فهل هو شخص مريض نفسيًا؟ هل وُلد مجرمًا؟ هل كانت شخصيته تحمل علامات واضحة قبل الجريمة؟ وهل يمكن اكتشاف الشخص الخطِر قبل أن يرتكب جريمته؟
توضح آيات محمد عبدالمجيد أن علم النفس الجنائي يحاول الاقتراب من هذه الأسئلة من خلال دراسة طريقة التفكير والانفعالات والتاريخ السلوكي والظروف المحيطة بالشخص.
الجريمة لا تبدأ لحظة ارتكابها
ترى آيات محمد عبدالمجيد أن السلوك الإجرامي غالبًا لا يظهر فجأة من فراغ، وإنما قد يكون نتيجة تفاعل معقد بين خصائص الشخصية، وطريقة التفكير، والقدرة على ضبط الانفعالات، والتاريخ الشخصي، والبيئة الاجتماعية، والتعرض للعنف أو الإهمال، وتعاطي المواد، والظروف المحيطة بالموقف.
ولهذا يهتم علم النفس الجنائي بدراسة ليس فقط «ماذا فعل الشخص؟»، ولكن أيضًا: كيف يفكر؟ وكيف يفسر تصرفات الآخرين؟ وكيف يتعامل مع الغضب والإحباط؟ وهل يشعر بالذنب؟ وهل يستطيع تأجيل رغباته.
هل توجد شخصية تسمى «الشخصية الإجرامية»؟
تؤكد آيات محمد عبدالمجيد أن الحديث عن «شخصية إجرامية» واحدة يمكن التعرف إليها بسهولة هو تبسيط غير دقيق.
فوجود اضطراب في الشخصية لا يعني أن الشخص سيصبح مجرمًا، كما أن ارتكاب جريمة لا يعني تلقائيًا أن الشخص لديه اضطراب نفسي.
لكن بعض السمات الشخصية قد ترتبط بارتفاع احتمالات السلوك العنيف أو المعادي للمجتمع، خصوصًا عندما تجتمع عدة عوامل خطورة.
ما السمات التي قد ترتبط بالسلوك الإجرامي؟
الاندفاعية
تشير آيات محمد عبدالمجيد إلى أن الاندفاعية قد تجعل الشخص يتصرف بسرعة قبل التفكير في النتائج، وقد يتحول الغضب إلى اعتداء دون قدرة كافية على التوقف والتفكير في العواقب.
ضعف ضبط الغضب والانفعالات
الغضب في حد ذاته ليس مشكلة، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح الغضب هو الذي يقود السلوك، ويصبح الشخص غير قادر على تنظيم انفعالاته أو تحمل الإحباط.
الشعور بالاستحقاق
قد يعتقد بعض الأشخاص أن من حقهم الحصول على ما يريدون، وأن رفض الآخرين لهم يمثل إهانة تستوجب العقاب أو الانتقام.
العداء وسوء تفسير الآخرين
قد يفسر الشخص تصرفًا محايدًا باعتباره إهانة أو تحديًا أو تهديدًا، وبالتالي يصبح رد فعله مبنيًا على تفسيره للموقف وليس بالضرورة على ما حدث فعلًا.
ضعف التعاطف
في بعض الحالات قد يكون هناك قصور في القدرة على الاهتمام بمشاعر الآخرين أو تقدير أثر الأفعال عليهم.
عدم التعلم من النتائج
قد يرتكب الشخص سلوكًا مؤذيًا ثم يكرر السلوك نفسه رغم العواقب السابقة، وهنا يصبح التاريخ السابق للسلوك عاملًا مهمًا في فهم احتمالات التكرار.
هل يمكن معرفة أن شخصًا ما سيصبح مجرمًا؟
توضح آيات محمد عبدالمجيد أن واحدة من أخطر الأفكار هي الاعتقاد بوجود علامة واحدة يمكنها أن تقول: «هذا الشخص سوف يرتكب جريمة».
فوجود الغضب أو العزلة أو اضطراب الشخصية أو حتى بعض الاضطرابات النفسية لا يكفي وحده للتنبؤ بأن الشخص سيرتكب جريمة.
ويعتمد التقييم النفسي والجنائي على مجموعة كبيرة من المعلومات، من بينها التاريخ السابق للسلوك، وأنماط العنف، وتعاطي المواد، والظروف الحالية، وطريقة التفكير، والاندفاعية، والعوامل الواقية وغيرها.
آيات محمد عبدالمجيد: الوقاية تبدأ من فهم الإنسان
من وجهة نظر آيات محمد عبدالمجيد، لا ينبغي أن يتحول علم النفس الجنائي إلى وسيلة لوصم الأشخاص أو الحكم عليهم من مظهرهم أو بعض صفاتهم فقط.
ففهم السلوك الإجرامي يحتاج إلى النظر إلى مجموعة متكاملة من العوامل، وليس إلى صفة واحدة أو تشخيص واحد.
وفي النهاية، لا تكشف الجريمة بالضرورة عن «نوع شخصية» واحد، لكنها قد تكشف عن طريقة تفكير، وطريقة تعامل مع الغضب، ومستوى ضبط الاندفاع، ونظرة الشخص للآخرين، إلى جانب تاريخه السلوكي والظروف المحيطة به.
وتختتم آيات محمد عبدالمجيد طرحها بالتأكيد على أن السؤال الأهم في علم النفس الجنائي ليس فقط: «لماذا ارتكب الجريمة؟»، وإنما أيضًا: «كيف وصل إلى هذه النقطة؟ وما الذي كان يمكن أن يمنع الوصول إليها؟»
وهنا يتحول علم النفس الجنائي من مجرد محاولة لفهم مرتكب الجريمة بعد وقوعها، إلى مجال يمكن أن يساهم في التقييم والوقاية والتدخل المبكر.
آيات محمد عبدالمجيد
أخصائية نفسية إكلينيكية | ماجستير صحة نفسية | باحثة دكتوراه إكلينيكية
متخصصة في الصحة النفسية والعلاج النفسي، مع اهتمام مهني وعلمي باضطرابات الشخصية، والإدمان، والتشخيص المزدوج، وإعادة التأهيل النفسي.
زر الذهاب إلى الأعلى