
الدكتورة ليلى الطاهر عضو هيئة التدريس بكلية الآداب جامعة قنا، تتحدث لجريدة أخبار الوطن العربي
مقال عن الدكتور ليلى الطاهر
الدكتورة ليلى الطاهر
عضو هيئة التدريس بكلية الآداب جامعة قنا، تتحدث لجريدة أخبار الوطن العربي
التّعليم بين الواقع والمأمول
إنّ قضِيّة التّعليم هي الرّكيزة الأساسيّة والأولى لكُلّ الأُمَم والمجتمعات التي تسعى بشغَف لنَيل مستقبَل مُستَدام وبناء نهضة معرفيّة حقيقيّة، وعلى الرغم من تنوّع التّحدّيات الميدانيّة في الواقع الحاليّ، فإنّ العزيمة الصادقة والطُّموح العالي يفتحان آفاقًا واسعة للوصول إلى المنظومة المأمولة التي تتطلّع إليها الرُّؤى الإستراتيجيّة؛ إذ إنّ الوقوف في المرحلة الراهنة عند مفترَق الطُّرق يُعدّ الفرصة الأنسب لإعادة تقييم الأدوات، وتطوير المناهج، ورسم مسارات جديدة تُحقّق تكافُؤ الفُرَص وتُعيد صياغة المخرجات المعرفيّة والإنسانيّة بما يتوافق مع روح العصر.
إنّ بناء المنظومة العصريّة يتطلّب قراءة متأنّية لطبيعة التّحولات العالميّة ونوعيّة المعارف التي يحتاجها سوق العمل في العقود القادمة، ولن تتأتّى هذه النهضة الشّاملة إلاّ بتظافر الجّهود بين المؤسسات الأكاديميّة والقطاعات المجتمعيّة لضمان تكامل الرؤى والسياسات، والعمل بجدّية على تذليل كافة العقبات الميدانية التي تعوق تطوير العمليّة التعليميّة، بما يجعل المدارس والجامعات بيئات جاذبة تُحرّك دافعيّة التّعلم المستمر لدى الجميع، وتُؤكّد أنّ الشّغف بالمعرفة هو المحرّك الأول لبناء الحضارة الحقيقيّة وترسيخ قيم الانتماء والمواطنة الفاعلة.
يتجسّد هذا التّغيير المنشود في التّحوّل المباشر عن الفلسفة التّقليديّة القائمة على الاستظهار وحشو الأذهان بالمعارف المجرّدة القابلة للنسيان، والانتقال الواعي نحو بناء الشخصيّة المتكاملة، وتنمية مهارات التّفكير ، وتجهيز الأجيال لمواكبة المتغيّرات المتسارعة في ظلّ الثّورة الرّقميّة وتقنيّات الذّكاء الاصطناعيّ، ولن يكتمل هذا المسار الشّامل إلاّ بالاستثمار في كفاءة المُعلّم والتنميّة المهنيّة المستمرّة له، باعتباره المُنظّم والمُحرّك الأساسيّ الذي يغرس قيم الابتكار، ويُوجّه الطُّلاّب نحو توظيف التّقنيّات الحديثة بكل إيجابية؛ ممّا يضمن ربط التّعليم بشكل مباشر باحتياجات سوق العمل الحديثة والمتطوّرة.
إنّ صياغة العقول في هذا العصر المتسارع تفرض الانتقال من تلقين المعلومات إلى تعليم كيفيّة الوصول إليها وتحليلها ونقدها بشكل منهجيّ مستقل، كما يحتاج هذا التّغيير إلى إعادة تصميم المناهج لتصبح أكثر مرونة وحيوية، تتكيف مع التّطورات التكنولوجيّة المتلاحقة، وتفتح للمتعلم آفاق البحث والتّجريب والتّفكير الحر، ليكون قادرّا على مواجهة تحديات المستقبل بوعيٍ وثبات ورؤية علميّة رصينة مبتكرة.
وفي هذا السّياق المتكامل، يتجلّى محور العمليّة التّعليميّة وهدفها الأسمى، ألا وهو “الطّالب”؛ إذ إنّ بناء طالب اليوم لا يتوقّف عند تحصيله الدّرجات المجرّدة في الامتحانات، بل يمتدّ لتمكينه من أدوات المعرفة وتوسيع مداركه ليتحوّل من مُتلقٍّ سلبيّ للعلوم إلى مشارك فاعل وصانع للمستقبل، وتأتي مرحلة “التّنسيق” الجامعيّ لتكون المحكّ العمليّ والأهمّ لترجمة هذا الوعي على أرض الواقع؛ إذ يجد الطُّلاّب أنفسهم في لحظة فارقة تتطلّب شجاعة فكريّة ونظرة مستقبلية واعية في اختيار المسار الأكاديميّ، بعيدًا عن الضّغوط المجتمعيّة والرّغبات الموروثة التي تُكبّل الإبداع وتحدّ من الطاقات الشّابة الواعدة، إنّ مرحلة التنسيق ليست نهاية المطاف بل هي بداية الحكايات المهنية والفكرية، وهي الاختبار الحقيقي لمقدار وعي الطالب بذاته وبقدراته وشغفه؛ من هنا يتوجب على الأسرة والمؤسسات التّعليمية إسناد المتعلم في هذه المرحلة الحرجة عبر التّوجيه والدعم النّفسي والفطنة، بدلاً من فرض خيارات متقادمة لا تناسب امكانياته أو لا تخدم طموحه، ليتسنى له الانطلاق بثقة نحو بناء مساره الخاص والتميز في تخصصه المختار عن اقتناعٍ كاملٍ ووعيٍ عميق.
إنّ النّظرة النّمطية المترسّخة حول ما يُسمّى بـ “كليات القمّة” التّقليديّة قد أصبحت نموذجًا ينتمي إلى الماضي ولا يناسب معطيات الواقع الجديد؛ فالقمّة الحقيقيّة لم تعد مقترنة بلقب أو بمسمّى كليّة مُعيّنة، بل بمدى شغَف الطّالب بالتّخصُّص، وقدرته على الإبتكار فيه، واستيعابه لمتطلّباته الرّقميّة والتّقنيّة الحديثة.
إنّ الأجيال الجديدة مُطالبة اليوم بإعادة تعريف مفهوم النجاح، والتّوجّه بثقة نحو تخصُّصات جيل التكنولوجيا، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والعلوم التّطبيقية الفاعلة، فكلّ مجال يمنح صاحبه القدرة على التَمَيُّز وصناعة القيمة المضافة وإحداث فارق في مجتمعه هو بالضرورة “كليّة قمّة”، إنّ الانغلاق على مفاهيم قديمة يضيع على الشباب فرصّا واعدة في قطاعات تنمو وتزدهر عالميّا بشكل غير مسبوق، إن الوعي الحقيقي يبدأ حين يدرك الطالب ومحيطه أن سوق العمل لم يعد يعترف بالمسميات المجرّدة بقدر ما يعترف بالمهارة، والتّميز، والقدرة على مواكبة المستجدات والتّطور الرقمي؛ مما يفتح الباب واسعّا لكل تخصص ليتحول إلى ساحة للإبداع وبناء القيادة وصناعة التأثير المباشر.
ختامًا، فإنَّ التّعليم ليس مجرّد محطّةٍ عابرةٍ لجمع الشهادات والألقاب، ولا وسيلةً لتكديس المعلومات، بل هو مشروعٌ حضاريٌّ لبناء الإنسان، وصناعة الوعي، واستشراف المستقبل، وإذا كانت المناهج، والتقنيات، والسياسات التّعليمية تمثّل أدوات التطوير، فإنَّ المعلّم يظلُّ القلب النابض لكل منظومةٍ تعليميةٍ ناجحة، فهو الذي يحوّل المعرفة إلى وعي، والمهارة إلى إبداع، والطموح إلى إنجاز، ومن هنا، فإنَّ أيَّ رؤيةٍ إستراتيجيةٍ تسعى إلى بناء منظومةٍ تعليميةٍ رائدة لن تؤتي ثمارها إلا إذا أعادت للمعلم مكانته المستحقة، وجعلت الاستثمار فيه استثمارًا في مستقبل الوطن بأسره؛ فهو صانع الأجيال، وباني العقول، وحامل رسالة النهضة، والركيزة التي تقوم عليها الأمم وتنهض بها الحضارات.
ولعلَّ أبلغَ ما يُختَم به الحديث:
أَعَلِمْتَ أَشْرَفَ أَوْ أَجَلَّ مِنَ الَّذِي
يَبْنِي وَيُنْشِئُ أَنْفُسًا وَعُقُولَا؟!
بقلم:
د. ليلى الطاهر
عضو هيئة التدريس_ كلية الآداب_ جامعة قنا





