في زمن مضى كانت المرأة تفتخر بشيبتها وتعتبر كل تجعيدة في وجهها وساما يروي قصة كفاح وحكمة كانت دائما الجدة هي الملاذ الدافئ والحضن الذي تفوح منه رائحة الماضي الجميل لكننا اليوم نعيش في الألفية الفلترية المتحدة حيث تم إلغاء العمر وأُعلن الحرب على التجاعيد بصواريخ الفلاتر والذكاء الإصطناعي
تخيل المشهد الآن سبعينية تجلس في زاويتها المفضلة تمسك بهاتفها الذكي الذي أصبح عكازها الجديد تفتح تطبيق تيك توك أو سناب شات وتختار فلتر وفي ثانية واحدة تحدث المعجزة تتحول الجدة إلى شابة في العشرينات ببشرة ناعمة كالحرير وعيون واسعة تلمع بالأنوثة وخفة ظل لم تشهدها حتى في شبابها الأصلي التجاعيد التي نحتتها العقود تتبخر والهموم التي أثقلت كاهلها تختفي ليحل مكانها جمال فتاك ولكنه… وهمي! وعلى الجانب الآخر يقع الشباب والرجال الضحايا الأبرياء الذين يطاردون سراب الجمال على الشاشات فيرى الشاب أو الرجل فيديو لفتاة جذابة ولا يعلم أنه الكمين الذي سيقع فيه ويقع في غرامها على الفور و يرسل رسائل الإعجاب وينثر الورود الرقمية ويعدها بالحب الأبدي وهو لا يعلم أنه يخاطب سيدة قد تكون جدة جدته!
إنها مفارقة ساخرة حيث يتحول التواصل الإجتماعي إلى مسرح من الأقنعة الرجال يبحثون عن الملائكة في عالم الفلاتر والنساء يُعدن تقديم أنفسهن بوجوه ليست وجوههن.. إن الهروب من أرذل العمر عبر الفلاتر لا يعكس رغبة في الجمال بقدر ما يعكس خوفا من قبول الذات ومن حقيقة الموت فلقد تحولت الشيخوخة إلى عيب يجب إخفاؤه بشتى الطرق لكن هل يلغي الفلتر السنين و هل يمسح الخبرات و هل يجعلنا نعيش أطول بالطبع لا فالجمال الحقيقي ليس في ملاسة الجلد بل في تصالحنا مع أنفسنا ومع كل مرحلة عمرية فإن الله عز وجل خلقنا في أحسن تقويم وتغيير خلقته التي خلقنا بها عبر الفلاتر هو في الحقيقة محاولة لإنكار سنة الحياة وتزييف للأمانة التي استودعنا الله إياها.
خاتمة: دعوة للصدق مع الذات
إننا بحاجة إلى ثقافة العيش كما خلقنا الله ثقافة تعتز بالوقار وتحترم الشيخوخة لنترك وجوهنا تحكي قصصنا ولنعتز بكل شيب و تجعيدة رسمها القدر فهي أصدق بكثير من فلاتر زائفة تزول بضغطة زر دعونا نضحك من قلوبنا لا خلف أقنعة رقمية ولنكن صادقين مع أنفسنا أولا فالجمال الذي لا يستطيع الصمود أمام مرآة الحقيقة هو جمال هش لا يستحق العناء.
زر الذهاب إلى الأعلى