
الخليج بين السلام الهادئ أو الدمار الشامل
الخليج بين السلام الهادئ أو الدمار الشامل
بقلم : حسام الموافي – باحث علوم سياسية واستراتيجية
تشهد منطقة الخليج وشبه الجزيرة العربية واحدة من أخطر مراحل إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط منذ عقود حيث تتداخل التحركات العسكرية مع التحالفات السياسية والمشروعات الجيوسياسية الكبرى بصورة تنذر بأن المنطقة قد تكون على أعتاب مواجهة إقليمية واسعة تتجاوز حدود الصراع التقليدي إلى صراع نفوذ وهيمنة وربما صراع وجود
في هذا التوقيت الحرج أصبح التواجد العسكري المصري الباكستاني داخل الدول الخليجية أكثر كثافة ووضوحا وهو أمر يحمل دلالات استراتيجية عميقة خاصة أن مصر وباكستان تمثلان معا قوة عسكرية وبشرية ضخمة تمتلك خبرات قتالية وقدرات ردع كبيرة تجعل أي تحرك مشترك بينهما محل اهتمام ومراقبة من جميع القوى الإقليمية والدولية
هذا التحرك لا يمكن فصله عن التطورات المتسارعة المرتبطة بتزايد الوجود الإسرائيلي في الخليج والذي بات يمثل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري على المحور الاستراتيجي الشرقي فدول الخليج تمثل عمقا اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا لمصر وأي اختراق إسرائيلي عسكري مباشر داخل هذه المنطقة يعني انتقال التهديد إلى نطاق أكثر حساسية بالنسبة للقاهرة
وجود دفاعات جوية وقوات جوية إسرائيلية داخل الخليج يمنح تل أبيب قدرة أكبر على فرض الهيمنة الجوية والتحكم في المجال الإقليمي وهو ما تعتبره مصر تهديدا مباشرا لمعادلات الأمن والتوازن في المنطقة ولذلك جاء التحرك المصري في توقيت بالغ الحساسية ليعيد خلط الأوراق ويربك الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بمحاولة فرض واقع استراتيجي جديد في الخليج
وفي المقابل فإن الوجود الباكستاني العسكري داخل السعودية تحديدا يحمل رسائل أكثر خطورة حيث تشير التقديرات إلى انتشار قوات برية باكستانية تعادل فرقتين كاملتين بتسليحهما إلى جانب وحدات دفاع جوي وقوات جوية وهو ما يعد تحولا كبيرا في معادلات الردع الإقليمي
هذا الوجود الباكستاني لا يمثل فقط دعما عسكريا للسعودية والخليج بل يعد أيضا صفعة استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها لأن دخول باكستان بثقلها العسكري يعني أن منطقة الخليج أصبحت عمليا تحت مظلة الردع الصاروخي والنووي الباكستاني وهو ما يغير قواعد الاشتباك التقليدية في المنطقة
وفي ظل هذا التصعيد المتسارع تتزايد التوقعات باحتمال حدوث تدخل بري داخل إيران خاصة مع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة حيث قد يتحول الصراع الحالي إلى حرب إقليمية شاملة تتضمن عمليات عسكرية واسعة النطاق تشارك فيها أطراف متعددة بصورة مباشرة وغير مباشرة
وفي خضم هذه التطورات برزت الإمارات كلاعب رئيسي في إعادة تشكيل التحالفات العسكرية بعدما قامت باستدعاء قوات هندية وفقا لاتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين وهو ما يفتح الباب أمام دخول الهند بشكل أكبر في معادلات الأمن الخليجي
وتزداد حساسية هذه الخطوة في ظل التقارب الهندي الإسرائيلي حيث تبدو الهند أقرب إلى المعسكر الداعم لإسرائيل في مواجهة إيران وباكستان الأمر الذي يعكس اتساع نطاق الاستقطاب الإقليمي والدولي داخل منطقة الخليج
أما على الجانب الإفريقي فقد شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية تطورا بالغ الخطورة بعدما قامت إسرائيل باعتماد تعيين سفير لما يسمى دولة أرض الصومال وهو الإقليم الحليف لتل أبيب والذي تسعى إسرائيل من خلاله إلى تعزيز نفوذها بالقرب من مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم
ويبدو أن القاهرة أدركت مبكرا خطورة هذا التحرك ولذلك سبقت الجميع منذ فترة بنشر قوة عسكرية مصرية داخل الصومال في خطوة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري وتأمين المصالح الاستراتيجية المرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب
التحالف المصري الباكستاني داخل الخليج لم يقتصر تأثيره على البعد العسكري فقط بل أدى أيضا إلى إرباك المشهد السياسي والاستراتيجي بالكامل بعدما وجه ضربة قوية للمخططات الإسرائيلية المتعلقة بفرض الهيمنة والسيطرة على الدول الخليجية تمهيدا لإعادة تشكيل المنطقة وفقا لمشروع ما يسمى إسرائيل الكبرى
وفي سياق متصل فإن ما يحدث داخل الخليج لا يمكن فصله عما يجري حاليا في تركيا حيث تواجه أنقرة ضغوطا متزايدة وحصارا بحريا وبريا بصورة غير مباشرة في إطار ترتيبات قد تكون تمهيدا لمواجهة مستقبلية محتملة بين تركيا واليونان
وفي حال اندلاع هذه المواجهة فمن المتوقع أن تحصل اليونان على دعم مباشر من إسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وهو ما يعني اتساع رقعة الصراع إلى شرق المتوسط بشكل قد يعيد رسم خريطة التحالفات بالكامل
وفي المقابل تتحرك روسيا بشكل متسارع لدعم إيران وحلفائها حيث تشير المعطيات إلى قيام موسكو بإرسال منظومات دفاع جوي وأسلحة إلى إيران وبعض الفصائل المسلحة في سوريا والعراق استعدادا لأي مواجهة عسكرية قادمة
هذه المواجهة المحتملة قد تضم إيران وحلفاءها في المنطقة مثل الحشد الشعبي العراقي والحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائهما الذين قد يشملون قطر والبحرين والكويت والإمارات وجنوب اليمن إضافة إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا
ومع تزايد هذا الاستقطاب الحاد تبدو المنطقة وكأنها تتجه نحو تشكيل محورين كبيرين الأول هو ما يمكن وصفه بالحلف الإسلامي العربي بقيادة مصر وبمشاركة باكستان وتركيا والسعودية بينما يقابله الحلف السداسي بقيادة إسرائيل ويضم أرض صومالي لاند وجنوب السودان وإقليم دارفور وإثيوبيا والمغرب والإمارات واليونان وقبرص وإقليم غرب ليبيا إلى جانب الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام والولايات المتحدة
وفي حال تحول هذا الصراع إلى مواجهة مباشرة فإن أرض شبه الجزيرة العربية قد تصبح ساحة مفتوحة لحرب نفوذ وهيمنة بين قوى إقليمية ودولية متعددة تتصارع على الجغرافيا والثروات والممرات البحرية وموازين القوة
ولهذا يرى كثيرون أن ما يجري حاليا لم يعد مجرد صراع سياسي أو عسكري تقليدي بل أصبح أقرب إلى حرب عقائد ومشروعات كبرى تتداخل فيها المصالح الدينية والاستراتيجية والجيوسياسية بصورة غير مسبوقة




