
تحليل نفسي محايد لواقعة الاتوبيس الترددي
بقلم: د. عبدالله أحمد استشاري العلاقات الأسرية والزوجية
متابعة نشوى شطا
بقلم: د. عبدالله أحمد استشاري العلاقات الأسرية والزوجية
في الأيام الماضية شغلت واقعة الاتوبيس الترددي الرأي العام على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وتحولت خلال ساعات إلى قضية رأي عام، أُطلقت فيها أحكام قاسية، وتبادل فيها الناس الاتهام والدفاع دون انتظار نتائج التحقيق أو الاطلاع على الحقائق كاملة.
ومع ظهور تسجيلات الكاميرات واعتراف الفتاة باختلاق الواقعة بدافع جذب الانتباه وكسب التعاطف، بات من الضروري تقديم قراءة نفسية هادئة ومحايدة، لا لتبرير الخطأ ولا لتجميل صورة أحد، وإنما لفهم ما حدث، ولماذا حدث، وما الذي كشفته هذه الواقعة عنّا كمجتمع.
أولًا: لماذا قد تختلق فتاة واقعة تحرش؟ (التحليل النفسي)
من المهم التأكيد أن اختلاق واقعة تحرش لا يعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي مرضي، لكنه غالبًا يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، من أبرزها:
1. الحاجة المفرطة للاهتمام (Attention Seeking)
بعض الأشخاص، خاصة في فترات الضغط أو الفراغ العاطفي، قد يلجأون لسلوكيات صادمة لجذب الانتباه والشعور بأنهم مرئيون ومسموعون.
2. الرغبة في لعب دور الضحية
دور الضحية يمنح صاحبه تعاطفًا فوريًا، ودعمًا اجتماعيًا سريعًا، وإحساسًا بالقوة المعنوية، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة.
3. التأثر بالمناخ العام على السوشيال ميديا
مواقع التواصل كافأت – دون قصد – القصص الصادمة، فكلما كانت القصة أقسى زادت المشاهدات والتفاعل، ما يشجع بعض الأشخاص على المبالغة أو الاختلاق.
4. ضعف الوعي بعواقب الاتهام
في كثير من الحالات، لا يدرك الشخص حجم الضرر النفسي والاجتماعي والقانوني الذي قد يُلحقه باتهام شخص بريء، ويظن أن الأمر “بوست وتعاطف وخلاص”.
ثانيًا: التحليل النفسي لسلوك الجمهور
الواقعة لم تكشف فقط عن سلوك فتاة، بل كشفت عن سلوك جماعي مقلق:
1. الحكم من الشكل
كثيرون أدانوا الرجل فقط لأن مظهره لم يكن مريحًا لهم، وهو ما يُعرف نفسيًا بـ التحيز الإدراكي، حيث نربط الشكل الخارجي بالقيم الأخلاقية دون دليل.
2. الغضب الأخلاقي الزائف
اندفع البعض للهجوم بدافع إظهار الفضيلة والدفاع عن الضحية، لا بدافع البحث عن الحقيقة.
3. محاكمة السوشيال ميديا
تم إلغاء مبدأ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، واستُبدل بمحكمة شعبية لا تعترف بالأدلة ولا بالاعتذار.
ثالثًا: الحالة النفسية للرجل المتهم ظلمًا
اتهام رجل بريء في واقعة تحرش قد يترك آثارًا نفسية عميقة، منها:
صدمة نفسية مفاجئة
شعور بالعار والغضب والخذلان
فقدان الأمان الاجتماعي
خوف دائم من الوصم حتى بعد ظهور الحقيقة
وهنا يجب التأكيد أن الضرر النفسي لا يُمحى بمجرد منشور اعتذار، لأن الأذى انتشر، والكلمات الجارحة قيلت، والصورة الذهنية تشوهت.
رابعًا: من يُعيد للرجل حقه؟
من الناحية القانونية، يحق للرجل رفع قضية تشهير، وهذا مسار مشروع.
لكن من الناحية النفسية والإنسانية:
حقه عند الله في كل كلمة قيلت زورًا لن يضيع
وحقه الأخلاقي في الاعتذار العلني الصريح واجب، لا فضل
وحقه المجتمعي في رد الاعتبار لا يقل أهمية عن أي حكم قضائي
خامسًا: رسالة أخيرة
الدفاع عن قضايا التحرش الحقيقية واجب، لكن اختلاق الوقائع يضر بالضحايا الحقيقيات قبل أي أحد آخر.
والتعاطف الأعمى أخطر من القسوة، لأن العدل لا يقوم إلا على التثبت، لا على الانفعال.
هذه الواقعة يجب أن تكون جرس إنذار لنا جميعًا:
أن نتريث قبل الحكم
أن نُفرق بين الدعم والاندفاع
وأن نتذكر أن وراء كل اتهام إنسانًا قد يُدمَّر للأبد
العدل لا يحتاج صوتًا عاليًا… بل عقلًا هادئًا وضميرًا حيًا.




