
في مسيرة الحياة، تتفاوت المحطات؛ فبعضها يمر كلمح البصر، وبعضها الآخر ينحت في الوجدان أثرًا لا يمحوه الزمن. “المحطة العشرون” لم تكن مجرد توقيت زمني، بل كانت مدرسةً في النبل والوفاء، صاغتها مواقف الرجال قبل أن تخطها الأقلام.
جوهر العلاقة: زمالة الدم والروح
لم تكن الرابطة التي جمعتنا في تلك المرحلة مجرد زمالة عمل تحكمها اللوائح، بل كانت أخوةً صادقة صُهرت في أتون المسؤولية وحب الوطن.
طبيعة العمل: واجهنا ظروفاً شاقة تخطت الإرهاق الجسدي إلى ضغط نفسي وذهني هائل تفرضه حساسية المهام ودقتها.
التكاتف: كنا نتقاسم القلق قبل الأمل، ونحمل الأعباء سوياً، فكان الخوف على الزميل يسبق الخوف على النفس، مما خلق نسيجاً متيناً من الثقة المتبادلة.
موقف لا يُنسى: السند في لحظات الضعف
تتجلى معادن الرجال حقاً في أوقات الشدة. لن أنسى ما حييت ذلك الظرف الصحي الدقيق الذي استلزم خضوعي لجراحة تحت تخدير كلي، وهي لحظة يتجرد فيها الإنسان من قوته ويحتاج إلى الطمأنينة.
هنا ظهر المعدن الأصيل لكل من:
اللواء عمرو سميح مبارك — واللواء بحري هشام محمد فتحي
لم يكتفيا بالسؤال العابر، بل كان حضورهما مزيجاً من الواجب المهني واللمسة الإنسانية:
الدعم الإنساني: مرافقة واطمئنان ولهفة صادقة.
الواجب الأمني: تواجدا داخل غرفة العمليات حتى الإفاقة الكاملة، ليس فقط كدعم، بل كإجراء أمني منضبط لصون أسرار العمل وضمان عدم خروج أي معلومة تحت تأثير التخدير.
لقد أثبتا أن الحفاظ على الأمانة وحماية الزميل وجهان لعملة واحدة.
أيقونة القيادة: “أبو الرجولة”
لا تكتمل الصورة دون استحضار شخصية تركت بصمة غائرة في تلك المرحلة، وهو اللواء محمد جعفر.
رجلٌ استحق لقب “أبو الرجولة” عن جدارة؛ ليس تفخيماً، بل وصفاً لواقع ملموس. كان يجمع بين:
الحزم والاحتواء.
المسؤولية والإنسانية.
بعد النظر والقدرة على قراءة المواقف بحكمة.
كان مدرسة تمشي على الأرض، تُعلمنا أن القيادة هي التأثير بالقدوة لا بالسلطة.
حصاد التجربة: قيم ودروس
علمتني هذه المحطة أن الإرث الحقيقي للإنسان ليس منصبه، بل سيرته العطرة. وقد خرجت منها بيقين راسخ في المفاهيم التالية:
| الزمالة | ثقة متبادلة لا مصالح مؤقتة.
| الأخوة | مواقف تُعاش وليست شعارات تُقال.
| الرجولة | عدلٌ وإنصاف، وليست مجرد قوة وبطش.
| حب الوطن | يتجلى في نكران الذات والتفاني في العمل.
رسالة إلى المستقبل
إلى الأجيال القادمة، اعلموا أن:
العمل أخلاق قبل أن يكون ساعات دوام.
العلاقات القائمة على الاحترام هي حصن المؤسسات.
المهنية شرف، وحفظ الأسرار أمانة، والقيادة الحقيقية هي بناء الإنسان.

ختاماً..
ستظل تلك الأسماء والمواقف نجوماً تضيء ذاكرتي، شاهدةً على أن الوطن يُخدم بصدق القلوب، وأن ما يبقى من الإنسان هو الأثر الطيب الذي يتركه في نفوس الآخرين.




