في المشهد الثقافي المعاصر، تبرز حورية الجمل كنموذج للمبدع الشامل الذي لا يعترف بالحدود الفاصلة بين الفنون، بكونها كاتبة ورسامة في آن واحد، استطاعت حورية أن تخلق لغةً خاصة، حيث الكلمة لديها ظلال واللوحة عندها قصيدة، لتقدم للمكتبة العربية تجربة إبداعية تتسم بالعمق الفلسفي والدهشة البصرية.
بدأت حورية الجمل مسيرتها الأدبية برواية “جاد”، والتي كانت بمثابة إعلان عن ميلاد روائية تملك القدرة على تطويع الخيال لخدمة الواقع، في “جاد”، لمست حورية أوتار النفس البشرية، وقدمت شخصيات محملة بالأسئلة الوجودية، مما جعل القارئ ينخرط في تجربة فكرية تتجاوز مجرد سرد الأحداث.
ثم جاء عملها الثاني “الموت لا يأخذ الغافلين”، ليرسخ مكانتها كمثقفة مهمومة بالأسئلة الكبرى. العنوان في حد ذاته كان صادماً ومحفزاً؛ حيث طرحت من خلاله دعوة صريحة لليقظة الإنسانية. في هذا العمل، برز أسلوب حورية الذي يمزج بين الواقعية والشاعرية، وكأنها ترسم بالكلمات مأساة الوجود وجمال اللحظة في آن واحد.
تصل حورية الجمل إلى ذروة التناغم بين موهبتيها في عملها الأحدث “عين البطة”، الصادر عن دار لغة للنشر والتوزيع والمعروض في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026. في هذا العمل، لا تكتفي حورية بكتابة النص، بل تمنحه روحاً مرئية من خلال تصميم ورسم غلاف الرواية بنفسها.
في “عين البطة”، نلمس تطوراً في أدوات السرد عبر:
أدب الرسائل: استخدام الرسائل بين البطل “سعيد” وابنة عمه “عزيزة” كخيط درامي.
فلسفة السعادة: الانتقال من البهجة الظاهرة إلى التساؤل العميق عن ثمن السعادة الضائع.
ثنائية الذاكرة والنسيان: استعراض المدن كأماكن بديلة للروح حين تضيق البيوت المعتادة.
ما يميز مشروع حورية الجمل هو أن “الرسامة” بداخلها لا تنفصل عن “الكاتبة”، إن عين الفنانة التشكيلية تمنح نصوصها دقة في الوصف، وقدرة على رصد التفاصيل التي قد تغيب عن الكاتب العادي، لوحاتها (كما في غلاف عين البطة) ليست تزييناً للعمل، بل هي “عتبة نصية” وجزء لا يتجزأ من الحكاية، تضع القارئ في الحالة النفسية والمكانية للرواية قبل أن يشرع في القراءة.
إن حورية الجمل، عبر ثلاثيتها (جاد، الموت لا يأخذ الغافلين، وعين البطة)، تثبت أن الإبداع الحقيقي هو الذي يمس الروح ويثير التساؤل. هي لا تروي قصصاً فحسب، بل تبني عوالم، وتدعو قارئها ليكون شريكاً في البحث عن المعنى خلف ظلال الكلمات والألوان.