حين تصبح علبة السمن عنواناً لوطنٍ مجروح
لا تكتمل ذاكرة أي وطن إلا بالقصص التي يحكيها جيل الشدة والصبر. ففي السبعينيات، وبعد النصر المجيد في حرب أكتوبر 1973، دخلت مصر معركة اقتصادية لا تقل ضراوة. لم تكن الأزمة تتعلق برفاهية مفقودة، بل كانت أزمة حياة يومية. كانت علبة السمن رمزاً للمعاناة، والدجاجة حلماً مؤجلاً، والوقوف في طابور الجمعية الاستهلاكية امتحاناً للصبر قد يمتد لساعات طويلة.
وسط هذه الضبابية، برزت تجربة طفولتي المبكرة، وهي التجربة التي لم تكن مجرد محاولة للحصول على سلعة، بل كانت ولادة لوعي وتشكل لروح وطنية خالصة. وتلك هي المحطة الحادية عشرة التي صنعت بداياتي، وربما شكلت جزءاً كبيراً من ملامح شخصيتي العسكرية والإنسانية.
مصر بعد الحرب: بلدٌ يحاول أن يتنفس
خرجت مصر من حرب أكتوبر مرفوعة الرأس، لكن سنوات الاستنزاف وحصار الاقتصاد وتوجيه الموارد نحو الجبهة أثقل كاهل الدولة. دخلت البلاد منتصف السبعينيات وهي تواجه أعباء ثقيلة: نقص حاد في العملة الصعبة، وزيادة في واردات السلع، وغلاء يلتهم الأجور، ورحلة بحث يومية عن القوت الأساسي.
كانت البلاد كلها تشعر بالاختناق الاقتصادي، لكن رغم الألم، ساد يقين داخلي واحد: “سنمر من هذا كما مررنا من غيره”. هذا اليقين كان هو السلاح الأقوى.
طابور السمن: معركة الصبر والكرامة
قد يبتسم الشباب اليوم عندما يسمعون أن السمن كانت أزمة، لكن من عاش تلك الأيام يعرف أن السمن كانت أثمن من الذهب. كانت الجمعية الاستهلاكية هي نافذة الحياة. إذا وصلت السلع، عرف الناس بالزحام قبل الإعلان، وكانت الطوابير تمتد لمئات الأمتار. رجال ونساء وأطفال يلتصقون ببعضهم ككتلة واحدة تتحرك برغم الفروق الطبقية، صامدة رغم الألم. هذه البيئة هي التي شكلت وعي جيل كامل.
قرار طفل وإرادة رجل صغير
في عام 1975، كنت طفلاً في الحادية عشرة من عمري، أعيش في أسرة مصرية بسيطة لكنها عظيمة في قيمها. كان الحوار حول الوطن وهمومه جزءاً من غذائنا اليومي.
عندما سمعت أمي تقول لوالدي بلهجة تحمل خوفاً وألماً: “السمنة خلصت.. مش لاقيين نطبخ”، وُلِد القرار في قلبي دون استئذان. نظرت إلى أخي الأصغر مني بثلاث سنوات وقلت له: “إحنا لازم نساعد.. هنجيب السمنة”. تحالفنا وقررنا استغلال إجازة يوم الأحد للقيام بالمهمة.
كان مؤشر وصول السمن هو اشتداد الزحام. في يوم مشهود، رأينا الزحام الهائل، وفهمنا أن المهمة قد بدأت. تركت أخي جانباً ودخلت الطابور، بداخلي رجل صغير يحاول أن ينتصر من أجل أسرته.
الضربة التي صنعت رجلاً
لم يكن الطابور صفاً منظماً، بل كان كتلة ضخمة تتدافع وتضغط. كنت أقاوم الألم وأقول لنفسي: “يجب أن أعود منتصراً”. فجأة، انطلقت صرخة، وأصابتني ضربة قوية بعصا غليظة من عسكري على حصان. كان الألم شديداً لدرجة أن الدنيا أظلمت للحظة، لكنني لم أتراجع. التراجع كان يعني الفشل، والعودة خالي اليدين.
بعد أربع ساعات مرت كأنها أربعة أعوام، وصلت إلى شباك البيع، ووُضعت علبة السمن في يدي. شعرت أني أحمل كنزاً، وأن طفلاً انتصر على جيش كامل من الخوف والتعب.
حضن الأب.. والدموع التي لا تُنسى
عدت إلى البيت، ورأى أخي الجرح الغائر في جانبي، دخلت أمي ورأت المشهد، فبكت وهي تعالجني وتُعنّفنا في آن واحد؛ بكت خوفاً لأنها لم تتخيل أن طفلاً يجازف بحياته من أجل سلعة.
لكن الأب دخل، فرأى الجرح وعلبة السمن ودموع الأم. اقترب واحتضنني حضناً كبيراً، ثم قال كلمته الخالدة التي صنعت رجلاً في داخلي: “أنتِ يا فايزة خلفتي رجالاً.. رغم خطأهم.. لكنهم رجالة حقيقيون شايلين أزمة بلدهم”. تلك اللحظة صنعت الضابط الذي سيحمل وطنه بقلب طفل وإرادة مقاتل.
قراءة في الأزمة ودروس للأجيال
بالرغم من سوء إدارة الموارد وقسوة التعامل الأمني آنذاك، فقد خرجت مصر واقفة شامخة.
رسالة هذا الطفل للأجيال الحالية:
هذه ليست قصة علبة سمن، هذه قصة وطن علّم أبناءه معنى الصبر والرجولة والمسؤولية منذ الصغر، يا أبناء هذا الوطن:
1. لا تستهينوا بأي أزمة، فالوعي الحقيقي يُولد من رحم الشدة.
2. لا تفقدوا إيمانكم بالدولة، فالدول تنهض بالصبر والتضحية قبل وفرة الموارد.
3. لا تتخلوا عن بعضكم، فالتماسك المجتمعي هو أقوى سلاح في وجه التحديات.
إن الأوطان لا تُبنى بالحجارة فقط، بل تُبنى بالقصص التي تُزرع في النفوس، والأوجاع التي تتحول إلى وعي. ومصر لم تقف يوماً على سلعة مفقودة أو ظروف اقتصادية عابرة، بل وقفت دائماً على قلب شعبها، وما دام في هذا الشعب رجال ونساء وأطفال قادرون على التحول إلى رجال قبل أوانهم، فإن مصر ستبقى بإذن الله واقفة، أبيّة، وقوية.
زر الذهاب إلى الأعلى