
وقفة على ضفاف الإبداع رؤية نقدية للمجموعتين القصصيتين “مضطربون ولكن ظرفاء ” و”المضطربون قادمو” للكاتب والإذاعي عمرو أنور
بقلم الناقد الأدبي /الدكتور عادل يوسف
اعتدت مع الأستاذ عمرو أنور أن أضع يدي على الجرح في كتاباته القصصية، سواء في المجموعتين القصصيتين مضطربون ولكن ظرفاء ، أو المضطربون قادمون ، أو قلعة النسيان.
تدور معظم أحداث المجموعتين القصصيتين مضطربون ولكن ظرفاء، والمضطربون قادمون عن العلاقات الزوجية ،والارتباطات العاطفية ،والقيم الاجتماعية ، والصراعات النفسية وأثرها في شخصية الفرد وسلوكه، وقد ركز الكاتب على قضايا المرأة وهمومها وعكس لنا روح العصر وتأثيره على العلاقات الإنسانية.
سنتناول في هذه الورقة النقدية استنطاق النصوص القصصية وكشف دلالاتها، وأسلوبها ،وإظهار العناصر السردية ،والتقنيات الفنية، التي أسهمت في بناء تلك القصص .
العتبات النصية:
العتبات النصية تشتمل على : عنوان المجموعة، الإهداء ، عناوين القصص الداخلية.ودراسة العتبات النصية مهمة لأنها مدخل مهم في فهم النص .
أ-العنوان: مضطربون ولكن ظرفاء ، والمضطربون قادمون.
العنوان براق بأسلوبه اللغوي والمعنوي؛ لأنه يثير الدهشة والانفعال لدى القارئ ، فأول ما يبصره القارئ من العنوان هو كلمة مضطربون التى تدل على الارتباك والقلق والتوتر، ثم يفاجئ القارئ بكلمة ظرفاء في نهاية العنوان التي توحي بالفرح والسعادة.
فتركيب العنوان أعطى دلالات تعبيرية متعددة تجعل القارئ يطرح عدة تساؤلات وهي: كيف يكون الأشخاص يعانون من الاضطراب والقلق والتوتر وفي نفس الوقت يششعرون بالبهجة والسعادة ؟ كيف يجمع بين الشئ ونقيضه؟ هذا التساؤل يحتاج إلى إجابات قاطعة لن تتحقق إلا بقراءة القصص من بدايتها حتى نهايتها قراءة واعية كاشفة فاحصة؛ لذلك أدى العنوان وظيفته في توليد الإثارة والدهشة والتشويق والجذب بشدة إلى قراءة القصص ومتابعة أحداثها.
ب- الإهداء:
كان الإهداء رابطا لغويا قويا بين الكاتب والقراء ؛ فقد أهدى الكاتب العمل لنفسه؛ ليحتفي هو بنفسه فهو مضطرب بل أشد اضطرابا من غيره ولكنه ظريف في نفس الوقت لذلك جعل القارئ ينجذب بشدة إلى العمل القصصي بشغف ولهفة.
ثانيا: الحدث السردي.
تدور معظم أحداث المجموعتين القصصيتين حول العلاقات الزوجية والارتباطات العاطفية، والقيم الاجتماعية ، والسلوكية والصراعات النفسية من خلال شخصيات الكاتب القصصية .
وقد مثَّل الكاتب دور الطبيب النفسي ببراعة، فهو يعالج هؤلاء المرضى في عيادته ويستمع إلى قصصهم ، وهو يلعب دور الشاهد المراقب لاضطراب هؤلاء المرضى بقصد إظهار مدى اضطراب هؤلاء المرضى ووصف مشاعرهم وظروفهم التي يعانون منها أمام القارئ، ومحاولة علاجهم
ونلاحظ أن الأحداث في القصة جاءت مترابطة متماسكة في وحدة عضوية ونفسية تصب في البناء الهندسي للقصة ؛فلا يمكن فصل أي جزء عن الآخر ، لأن هناك خيط يربط كل القصص بعضها ببعضها الأخر وهو الاضطراب النفسي الذي يعاني منه كل شخصيات القصص حتى الكاتب نفسه .
1-الشخصيات:
التقط الكاتب شخصيات القصص من عيادته النفسية، فهي شخصيات مضطربة حقيقية ، وقد وُفق في تحويل هذه الشخصيات الحقيقية إلى شخصيات قصصية ناجحة ، فقد اصطبغت بالصدق الواقعي والفني في آن واحد، فضمن بذلك تعاطف المتلقي معها ورغبته الشديدة في علاجها .
2-اللغة :
استخدم الكاتب لغة واقعية مكثفة وثيقة الصلة بالشخصيات ومعبرة عن الوضع الثقافي للشخصيات التي يتحدث عنها، ومستمدة من الحياة اليومية لهم ،وطبيعة الظروف التي يروي أحداثها.
انتقى الكاتب ألفاظه بدقة وعناية لتؤثر في السامعين ويجعلهم يعيشون الموقف، وأوضح صورة وأجمل بيان على ذلك قول الكاتب في قصة
( للعشق مذاهب) : صدرت عنها تنهيدة ،زفرت معها دفقة هواء معبرة يدور في صدرها من ألم.
استخدم الكاتب اللغة الشعرية التي تحتوي على صور جمالية تنزع إلى رسم مشاعر تصويرية موحية تكاد تلامس شواطئ الشعر دون أن تؤثر في مضمون النص القصصي، يقول الكاتب : “إن زوج السيدة ابتسام يعلم آفته ويحاول مقاومتها فوجود مثل هذه القنبلة الموقوتة في البيت ربما يفقده السيطرة على نفسه الجامحة”
3-أساليب السرد:
استخدم الكاتب أساليب سردية متنوعة مثل الوصف والحوار الخارجي والحوار الداخلي .
الحوار الداخلي:
الحوار الداخلي يقرب المتلقي إلى نفسية الشخصيات ويجعله أكثر تعاطفا معها، فالحوار الداخلي هو الأكثر كشفا للشخصية ؛ لأنها تتحدث مع ذاتها ولا يمكن في حال من الأحوال أن يكذب الإنسان على نفسه أو يخفي عنها شيئا بل يخرج الحوار الداخلي كل كوامن أعماقه ويعبر عن إحساسه وعواطفه .
ب-الوصف :
استخدم الكاتب تقنية الوصف ببراعة شديدة ومن أوضح الأمثلة على ذلك وصفه لشخصية ابتسام الوكيل يقول الكاتب:
” جميلة المحيا ، قوام متناسق ، عيون واسعة عسلية، شعر أصفر منسدل ، شفاه رقيقة ، بشرة خمرية ، ذقن صغير.
4-الزمان:
يمثل الزمان عنصرا أساسيا ومهما من عناصر البناء القصصي فهو يشكل قوام الشخصية ، ويلاحظ أن الكاتب استخدم الزمن في القصص عبر إشارات سريعة مثل قوله، منذ بداية زواجنا، الفترة الفاصلة بين المحاضرات.
ولم يكن الزمن سائرا على وتيرة واحدة في القصص من الماضي إلى الحاضر لأنه استخدم تقنية الاسترجاع وما تحويه من عنصر التذكر الذي يكسر رتاة خط سير الأحداث ويجعله متناغما مع الحالة النفسية للشخوص مثل قول الكاتب في قصة لحم رخيص ” عاودت الفتاة الذكريات ثانية”
5-المكان:
تدور معظم أحداث المجموعتين القصصيتين في عيادة الدكتور النفسي، وقد جعل الكاتب منها مكانا محدودا فهي عبارة :عن غرفة ، بها زهور صناعية ، وأضواء جانبية ،وديكور يساعد المريض على البوح بما يدور في خلجات نفسه ، وبذلك وظف الكاتب العيادة لتوضيح الأحداث وتوصيل رسالة للقارئ وهي مدى المعاناة والقلق والارتباك والتوتر الذي تعاني منه الشخصيات.
6-النهاية:
لقد برع الكاتب في رسم نهايات القصص، فلم نجد نهاية مبتورة لبعض القصص، أو نهاية غير منطقية لتطور الأحداث ،بل كانت النهاية تحمل صدمة للقارئ مما جعلها راسخة في ذهن القارئ مثل نهاية قصة ( العمر لحظة) أعطانا الكاتب منذ بداية القصة أن زوجته طُلقت منه بسبب استحالة الحياة بينهما ، ولكن الكاتب يفاجئ القارئ في النهاية أن خاتم زواجهما ما زال يزين إصبعها، وأن الزوجة كانت تتخيل أنها طُلقت منه.
وصفوة القول : أن الكاتب عمرو أنور قد نجح في سبك عمله الفني وأنه جسد لنا واقعا مليئا بالمعاناة والأسى والاضطراب والقلق والتوتر والصراعات من خلال المرضى المترددين على عيادة الطبيب النفسي ، فتحية إكبار وتقدير له لأنه لفت أنظارنا إلى هذه الفئة المضطربة- وإن كنا نحن مضطربون مثلهم – لكن وجدنا من يعبر عنا.




