
قراءة مفتوحة في رواية عندما يعتذر الشروق للروائي الكبير “هشام فياض”
بقلم : الناقد الأدبي / الدكتور عادل يوسف
قدمت هذه الورقة في جمعية خريجي الجامعات ،وحضور ملتقى السرد العربي بالقاهرة بتاريخ 23/ 11/ 2022
حين يصبح الواقع أغرب من الخيال ، ويسود الظلام، ظلم الإنسان لنفسه ولمن حوله ، وتشتد شهوة الانتقام حتى تنال أقرب الأقارب ، وأعز الأصدقاء ، تأتي مسئولية الكاتب في إعادة تدوير هذا العالم بعد أن انفلت من المعايير الأخلاقية التي تحكمه ، من هنا يظهر دور الأديب في نقد ها الواقع الأليم ، وتعرية قبحه بكل أشكاله ، رغبة في علاجه سواء من المتلقي أو من الحكومات وتأتي هذه الورقة النقدية لتلامس هذا العالم المؤلم وتدخل إلى عالم الأديب الخاص به ؛ لتكشف لكم عالمه الزاخر بالقضايا والرؤى فنجد:
لعنة المال بدون أخلاق.
الزوجة المتجبرة الطاغية.
عصابات المافيا في أروبا والعالم والتصفيات بينهم
الإساءة إلى الأديان.
معاناة أبناء القمر.
والكثير من القضايا التي تناولها الكاتب في روايته ( عندما يعتذر الشروق)
البناء الفني للرواية.
العنوان:عندما يعتذر الشروق.
هذا العنوان استوقفني كثيرا ، لأنه يحمل بين طياته العديد من الدلالا ت والتساؤلات التي تجذب القارئ منها:
هل يعتذر الشروق ويتأسف لأبناء القمر؛ لأنه مضطر أن يشرق عليهم كل صباح ،فيصيبهم بضرر شديد نتيجة تعرضهم له.
أم هل يعتذر الشروق ؛لأنه مضطر للبزوغ كل صباح على من ورث ثروة طائلة من والده ،وأصبح ذا نفوذ وسطوة وقدرة هائلة البطش والفتك والتدمير؛ وأصبح شريكا في تجارة السلاح والمخدرات والرقيق وتدمير البشرية.
أم هل يعتذر الشروق ويتألم ، لأنه مضطر للسطوع كل صباح على هذه الزوجة المتسلطة الطاغية التي أذاقت زوجها ألوانا من الذل والهوان والجبروت ،وجعلته زوجا لها بدرجة خادم أو زوجا فاقد الصلاحية.
أم هل يعتذر الشروق ويرفع عنه اللوم ؛ لأنه مجبر على أن يضيئ لم يسيئون إلى الأديان مع أننا نتخذهم قدوة ومثلا عليا.
أم يعتذر الشروق ويحزن لأنه مضطر أن يشرق رجال المافيا والعصابات وما يحدث منهم من تدمير وتخريب وتصفيات.
إن الشروق يريد أن يعتذر ويحتجب عن كل هؤلاء البشر، لأن الشروق يعطيهم الفرحة والأمل وهم لا يستحقون ذلك.
نوع الرواية:
رواية اجتماعية، واقعية، حافلة بالعديد من مشاهد الأكشن نتيجة الحرب بين العصابات، ومن جانب أخر رواية معلوماتية ،لأنك عندما تقرأ هذه الرواية تدخل في عالم معرفي ثري بالمعلومات والقضايا ، فشرح لنا الكاتب تفاصيل مرض الألبينو ، وهم أبناء القمر، وكيفية التعايش مع المرض اللعين، وعصابات المافيا ،وأنواعها، وزعمائها ، والأمازيغ ، وطقوسهم ،وأسلوب حياتهم ، كل ذلك دون إقحام في السرد أو تطفل عليه.
أسلوب السرد :
كان السرد مزيجا من الأسلوب الغنائي الذي تميز باللغة الشاعرية العاطفية الحافلة بالصور البلاغية ، والأسلوب الدرامي الذي تميز بتدفق الأجداث وسرعتها ، والأسلوب السينيمائي الذي عبر بدقة عن وصف المشاهد والبلاد وجغرافيتها ومعالمها، وكذلك الصدمات التي تفاجئ القارئ وتجعله في حالة ترقي وذهول مثل: صدمة موت فيلهام في بداية الرواية، وجورج وهيل ولوكاس.
الشخصيات:
لم يكن أبطال الرواية مثاليين كما هو متبع في الروايات التقليدية ، بل كانوا من الواقع الأليم الذي نعيشه ،وكانت شخصية الراوي واضحة جلية ،وهذا ما يطلق عليه البصمة الإبداعية.
وقد رسم الكاتب شخصياته بدقة وبراعة ؛ فذكر لنا كل تفاصيل الشخصيات ابتداء من الأوصاف الشكلية الحسية ، كتصوير قسماته وشكله ،ونبرة صوته ،وكذلك الأوصاف الاجتماعية ،من حيث الغنى والفقر، والسلطة ،على النحو الذي يؤثر على اتجاه الأحداث.
كذلك الأوصاف النفسية التى تعد أهم جانب في الشخصية وكل التصرفات ستكون مبررة؛ بسبب الوصف النفسي مما يؤدي إلى تطور الأحداث بشكل منطقي ، كما راعى العلاقات بين الشخصيات مثل :علاقة النسب ، والمصاهرة ، الصداقة ، العداوة، كل ذلك ساهم في تطور الأحداث .
كما برع في استخدام الاسم المعبر عن الشخصية مثل (مارى) وهي بمعنى السيدة العظيمة والجميلة وهو ما يعكس الدور الذي قامت به الرواية.
الصراع :
تعددت أنواع الصراع في الرواية ، حيث وجدنا الصراع الطبقي بين الأغنياء والفقراء مثل الصراع بين روبرت وزوجته باربرا،
والصراع بين الحب والدين مثل الصراع بين ماري بعد اعتنقت الإسلام وزوجها دانيال وقد حسم الكاتب الصراع بين الدين والحب وجعل الدين يتغلب على الحب ، وهذا يتفق مع مبادئ الدين فلا يجوز للكاتب أن يخالف الدين أو العرف.
الحوار:
فطن الكاتب في روايته (عندما يعتذر الشروق ) إلى أهمية الحوار فجعله وسيلة أساسية في روايته ،وقد اتخذ الحوار في روايته عدة وظائف منها : بناء الحدث وتكثيف الحبكة، الكشف عن أفكار الشخصيات وما يدور بداخلها ، إعطاء معلومات مهمة تسهم في بناء الشخصيات، منح الرواية بعدا دراميا بواسطة تعدد الأصوات.
النهاية
ا نجح المؤلف في كتابة نهاية مؤثرة لروايته ،فقد جاءت النهاية نتيجة طبيعية للصراع الدائر من أول الرواية، فمن زرع الشر لا يجني إلا الشر استعان، روبرت برجال المافيا ،فكانت نهايته على يد عصابات المافيا، لذلك لم تكن النهاية مفتعلة ، أو مبتورة أو غير منطقية تنتظر تدخل القدر أو المصادفة لإنقاذ البطل من محنة الاختيار.




