
قصة قصيرة بعنوان..مُهَمَشُ رغم أنفه ..! للكاتب “عمرو انور”
بقلم عمرو انور
نشأت في بيئة سادت فيها السيطرة ل “أمي” علي الدوام من أدق الأمور إلي أعظمها .. كانت لأمي القيادة دونما أدني معارضة من أبي .. ولا أعرف بالتحديد متي سلمها أبي عقاله لتقود جميع من في البيت بمن فيهم هو ؟ ولا لماذا أكتفي هو بوجود هامشي ؟ فهو لا يقوم بدور الأب إلا حينما يُطلب منه ذلك فقط .. منها علي سبيل المثال حينما تجد الحيرة سبيلا إلي نفس أمي في تعاملها معنا نحن بناتها , فتطلب منه التدخل ليعيد الأمور إلي نصابها أي يعيد إليها سيطرتها علينا من جديد .. فيرنوا لأسماعنا صوته الجهورى محذرا فقط من مغبة إستمرار سلوكنا الذي تراه أمي مُعوجا أو لا يتماشي مع رغبتها في أن تقود من في البيت وتفرض عليهم سيطرتها .. ورغم أنني كنت أري بعض الشطط في رغبتها في تسيير الأمور في بيتنا إلا أنني كنت أنفذ هذه الرغبات في البداية دونما أدني مناقشة مني أو جدال .. لأن العقاب جاهز .. كما كانت تقول دائما “أن مَن أمن العقاب أساء الأدب” ..
فرضت أمي سيطرتها عليَّ بعد ولادتي بساعات كأنما كانت ترسم خطا لي كي أسير عليه طوال رحلة الحياة يشبه الخط الذي سارت هي عليه .. فأصرت علي أن تطلق عليَّ لقب جدتي “وصيفة” التي كانت شغوفة بها حبا .. وضربت عرض الحائط برغبة أبي حتى في أن يسميني “حبيبة” كما تمني .. ولكن ما أن شب عودي وتخطيت الخامسة عشر ربيعا حتي أصبحت لي شخصيتي المنفصلة عمن حولي .. فأنا مجتهدة في دراستي .. لم يعرف الفشل طريقا إلي نفسي في الدراسة ولكنه عرف الطريق مبكرا إلي شقيقاتي .. ففشلن فشلا ذريعا في الدراسة .. أو تخطين المرحلة الدراسية المتوسطة بمعجزة بعد أن كن علي شفا السقوط المدوى .. فانهالت كلمات المديح عليَّ .. وساد إعتقاد في ذهني وذهن من حولي أنني أسير علي الطريق الصحيح وأنني نادرا ما أخطئ وأنني أزن الأمور بميزان من ذهب وأختار ما يناسب المرحلة التي أعيشها .. علي عكس شقيقاتي فقد كن هوائيات .. تستحوذ فكرة الزواج من ثرى أو علي الأقل ميسور الحال علي أذهانهن .. ليس لهن أي طموح في الحياة إلا الزواج والإنجاب والخروج إلي المتنزهات وقضاء أشهر الصيف علي البلاجات .. أما أنا فقد إعتبرت أنهن يعشن علي هامش الحياة .. وأنني أسير علي الدرب السليم .. أريد أن أحقق طموحي الشخصى دونما إعتماد علي أحد حتى ولو كان أقرب الناس إليَّ ..
كانت آرائى التي صرحت بها مرارا وتكرارا في أمور شتي تحظي برضا والديَّ وظلا يرددان كلمات المديح والإطراء لي أمام معارفنا كلما جاءت الفرصة .. وحتى بدون أن تأتي الفرصة كانا يثنيان علي إجتهادي ومثابرتي .. إلي أن ترسب بداخلي أنني لا أخطئ علي الدوام .. لذا كان تصميمي دائما علي رأي في نظرى هو الأمر الأصح وكان عنادي في الأمور صغيرها وكبيرها يأتي مصحوبا بهذا المكون الذي ترسب في نفسي علي مدي سنوات .. وهذا المكون هو مزيج من تصلب الرأي والعناد والكبر فأنا شديدة الإعتداد بنفسي .. تضاعف حجم هذه الصفة أيضا في نفسي بسبب كلمات الإطراء التي كانت ترنوا لمسامعي ممن كانوا حولي عندما كان يؤخذ رأي في أمر ما يخص شقيقاتي ..!
وهكذا تعمقت فكرة أن رأي سديد دونا عمن في بيتنا .. وهكذا بدأ الغرور يجد سبيلا إلي نفسي .. كل من حولي بلا إستثناء سواء من الأقارب أو حتي المعارف كانوا يذكروننى بأني نسخة مطابقة لأمي حينما كانت في نفس العمر ـ نسخة مستحدثة ـ تناسب العصر ..
وهكذا أصبح للبيت إمرأتان ينتهجان نفس الإسلوب فأصبحتا أنا وأمي علي طرفي نقيض ومتنافرتين .. زوجة لرجل مُهمش في بيته بإرادته أو بدونها .. وإبنة تبحث عن رجل لتجعل منه نسخة من أبيها ـ مُهمش ـ أو علي الأقل لديه إستعداد ليلعب دور الرجل المُهمش دون تمرد ودون تطلع للعب دور آخر ..!
لذا وجدتني أبحث عن زوج يقبل بهذا .. رجلا يحبني كما أنا .. عنيدة .. متسلطة .. تقود ولا تقاد.. شديدة البأس .. صعبة المراس .. ترى أن رأيها هو السديد علي الدوام .. لارغبة في نفسها لإبداء مرونة ما ..
رفضت الزواج من رجال لمحت خلال فترة التعارف بيننا أنهم يطمحون في أن ألعب دور الوصيفة في مملكتي ..!
فظللت سنوات أبحث في نفسي عن إجابة للسؤال الذي شغلني .. لماذا أقبل بدور الوصيفة في فيلم الحياة ؟ فالكل يشهد برجاحة عقلي وسداد رأي وما الحياة الناجحة إلا رأي سديد وعقل راجح , لذا عقدت العزم علي أن الأسلم لي هو أن أختار بعقلي وليس بقلبي .. لأن عقلي الراجح سوف يصحح من ميل الهوى الذي يصاحب دائما إختيارات القلب لذا أغلقت مفاتيح قلبي تماما ولم أذعن لأي بادرة تأتيني منه فأضطر إلي تغليب مشاعري علي إختيارات عقلي الراجح .. إلي أن بلغت التاسعة والعشرون عاما .. وهذه السنة لها مدلول خطير لدي “حواء” فما قبلها من سنوات يحسب لها علي أنها مازالت في العشرينيات من عمرها .. أما ما بعدها من سنوات فهو مثير لتساؤلات كثيرة عن سر عدم إرتباطها إلي أن تجاوزت الثلاثين عاما أو الخامسة والثلاثين .. !
توقفت قليلا لأجد من هم أقل مني سنا قد تزوجوا ومنهن من رزقت بالبنين والبنات .. وأصبح لهن إمتداد وهدف في الحياة ..
إحساسي بالخطر جعلني أعيد النظر في رفضي الزواج وفقا لشروطي وأعني بذلك رجلا يقبل أن يعيش في بيته علي الهامش ويقبل أن يتقمص دور البطل فقط حينما يُطلب منه هذا ..! وكانت التساؤلات تتردد في نفسي .. لقد أصبحت علي مشارف الثلاثين عاما .. ولن أقول سوى أن أبلغ وصف لهذا العام بالنسبة ل”حواء” هو عام الرمادا فما قبله يختلف جذريا عما بعده ..!
وبعدما كنت أؤكد وبثقة أن ـ بيت الزوجية هو مملكة “حواء”ـ تفعل فيه ما يحلو لها .. أليست هذه مملكتها ! وعلي كل من تطأ قدميه أديم مملكتها ألا يطمح في أن يشاركها سيطرتها علي المملكة وعلي من يعيش فيها .. أصبحت أتردد في تكرارها علي مسامع زائرنا المحترم الذي تقدم علي إستحياء للزواج مني .. رغم أن هذه الجملة إخترتها بعناية وعن قناعة تامة من بين عدد من الجمل والموضوعات لأرصد رد فعل القادم من الصف الخلفي مهرولا للصف الأمامي ليطلب الزواج منى ..!
الأمر الغريب أن الرجل الذي تقدم للزواج مني بذل هو الآخر جهدا في جلسات التعارف في التشويش علي أفكارى وحاول المراوغة والهرب بعيدا بأفكاره حتي لا أكتشف الحقيقة المرة وهي أنه إنسان رجعي وأفكاره لا تناسب العصر الذي نعيش فيه .. أو علي الأقل لا تناسبنى أنا !
قديما حينما كنت أردد هذه المقولة ـ البيت هو مملكة حواء ـ خلال جلسات التعارف التي تجمعني بمن يريد أن يتقدم للزواج مني .. إذ بالبعض منهم يفطن لمعني ومدلول المقولة فيؤثر الإنسحاب مفضلا السلامة والبعض دخل في جدال يحمل بين ثنايا كلماته إعتراضا علي مضمونها وبرر رأيه بأن الحياة الزوجية لا تستقيم في ظل محاولة أحد الطرفين إقصاء من يشاركه مسيرة الحياة من وجوده المعنوى .. وآخرون إدعوا أن من أطلق هذه المقولة أراد أن يشغل فكر “حواء” بالغث كي تبتعد بفكرها عن السمين .. أي يشغلها بالبيت وبمشاكل من فيه عسي أن تنشغل عنه هو وترخي قبضتها ولو قليلا ..
لعب هاجس العنوسة دورا في أن أظهر بعض المرونة في إختيارى للقادم ـ بعض المرونة فقط وليس كل المرونة ـ فمازلت أنا كما أنا شديدة الإعتداد بنفسي .. متباهية بعقلي الراجح ورأي السديد .. وبما أن عقلي راجح ورأي سديد فلابد أن أظهر بعض المرونة في آرائى قبل أن يمضي قطار العمر .. وليكن .. سأختار من بينكم رجلا تنطق سيماء وجهه بالحياء .. فحياؤه سيكون جواز مرورى للقبض علي عقاله بقوة .. وعندها سأحقق ما أريد دون أن أصرح به .. ليس من الضرورى أن أكرر علي مسامعه كل وقت وكل حين أن ـ بيت الزوجية هو مملكة حواء وأنني لن أسمح لأحد أن يتدخل في شأن من شئونها ـ بل سأجعله يشعر فقط بما أنوي القيام به دون أن أصرح بمكنون نفسي !
بعد جهد وفترة طويلة نسبيا من البحث .. وقع إختيارى عليه .. سيماء وجهه تنضح بالحياء والمرونة الشديدة .. فأعلنت موافقتي المبدئية عليه .. فما قاله من كلمات جعلني أتوقف أمامها كثيرا فقد كانت أفكاره التحررية طاغية علي الحديث في أول لقاء بيننا .. وبما أن أفكاره تحررية لن يجد غضاضة في أن يسلمني عقاله لكي أقود كل من بالبيت وهو علي رأسهم ..! لقد إستطاع أن يأسرني بحديثه وبأفكاره عن المرأة هذا الكائن الرقيق .. إذن هذا هو الرجل الذي كنت أبحث عنه .. الرجل الذي لن يجد حرجا في أن يسلمني عقاله كي أقوده كما قادت أمي البيت بمن فيه وعلي رأسهم أبي ..
تعددت اللقاءات الأسرية بيننا .. وبدأنا التحضير لشراء أثاث المنزل .. لا أذكر أننا إختلفنا علي شيء خلافا حادا دعا لتدخل طرف ثالث سواء من أسرته أو من أسرتي .. لبي لي كل ما كنت أطلبه دون جدال أو لغط ..
لقد فطن لما أصبو إليه لذا حاول برفق إثنائى عما أرغب .. كان لينه أضعف من أن يعيدني إلي الخلف خطوة واحدة لأقبل بدور الوصيفة في مملكتي .. تنحي عن الطريق داعيا إياي بصدر رحب أن ألعب كلا الدورين .. عاهدني ألا يقف عقبة في سبيل تنفيذ إرادتي فترك لي كل شيء وقبل مرغما أن يلعب الدور الثاني في بيته كما سعيت أنا لهذا بقوة ..
إختطفت نظرة لأمي بعد فترة من زواجي .. فوجدتها وقد وهن العظم منها .. وحنىَّ ظهرها .. وحفر ثقل المسئولية التي حملتها بمفردها طوال السنوات الماضية أخاديد علي وجهها .. تراءت صورتي أمام عيني بعد بضع سنين وأنا أجلس منهوكة القوى .. واهنة العظم .. ثرمة الفم .. متغضنة الوجه .. ذاوية الإبتسامة .. خابية نظرات العيون .. ولا تفارق الشكوى شفتاي من ثقل المسؤولية التي تشبثت بحملها بعد أن أقصيت زوجي عن عمد .. فحاولت التراجع ولكن .. ولكن هيهات .. فقد أُدمن زوجي لعب الدور الثاني في مملكتي وأُعجب به أيما إعجاب .. وأصبح من المستحيل إقناعه بقبول دور البطل .. فجأرتُ بالشكوى لمعارفنا من أن زوجي عازف عن تحمل مسؤوليات الرجال
*****




