
كلمة السر في المجموعة القصصية (أسطورة الحي الست أم هلال ) للكاتبة أماني عز الدين: رؤية نقدية
كتب : الناقد الأدبي.د/ عادل يوسف
كثيرا ما سمعنا أن الأساطير تكون متعلقة بشخصيات خيالية أو أحداث خارقة للعادة ، ولكن أن تتعلق الأسطورة بأحداث حقيقية ومن واقعنا الذي نعيشه هذا هو الجديد الذي لا يخطر ببالنا ، وهذا ما سنراه في المجموعة القصصية( أسطورة الحي الست أم هلال) للكاتبة أماني عز الدين.
وتحتل الكاتبة أماني عز الدين موقعا متميزا في المشهد القصصي وهي من المبدعات اللاتي حققن تفردا مهما على مستوى القصة القصيرة والرواية.
وتطل علينا الكاتبة أماني عز الدين هذه المرة بمجموعة قصصية جديدة بعنوان ( أسطورة الحي الست أم هلال) وقد اخترت لها من العناوين ( كلمة السر في أسطورة الخي الست أم هلال).
ولا ريب أن قارئ هذه الباقة القصصية بنصوصها المتنوعة يلاحظ عن قرب تأكيد الكاتبة على حضور ( الرضا بالقضاء والقدر) في عدة نصوص من هذه المجموعة وخصوصا القصة التي تحمل عنوان هذه المجموعة وهي ( أسطورة الحي الست أم هلال).
إن حياة هذه المرأة كانت حافلة بالأحداث الجسام والمواقف الإنسانية المشحونة بالعواطف القوية التى جعلت هذه المرأة أعجوبة في تحملها هذه الأحداث دون جزع أو سخط أو غضب.
فقد كانت هذه المرأة الأسطورة تعيش مع زوجها عيشة الرغد في بيت جميل، وأنجبت له البنين والبنات ، كانت سلطانة لا يعصى لها أمر ولا يرد لها مطلب ،وكانت تأمر فتطاع .
لكن الشتاء عصف بسيوله بيتها وبكل ما هو ثابت في حياتها، وضاع شعورها بالأمان بعد سقوط أعمدة بيتها، ورحل عنها الكثيرون من أهلها وعاشت وحيدها تأتنس بذكرياتها التي لا تنتهي .
أصبحت وحيدة بلا كتف تستند عليه، وهي الآن على أعتاب النهاية تنظر بعيون دامعة للطريق، لا تنتظر قدوم الغائب ليؤنسها، ولكن لترثي نفسها المحترقة مما لاقته من مرارة وقسوة الرحيل وتجرع مرارة الألم داخل جنبات هذا البيت المتهالك.
وعندما سُئلت عن حالها قالت : ” أنا في نعمة وستر من الكريم” ولكن أية نعمة تلك التي تتحدث عنها وهي بلا مأوى يؤويها، ولا عائل تتكئ عليه في عمرها هذا؟!
أقول إن هذه المرأة هي الأسطورة بكل معانيها هي أسطورة الرضا والقناعة بما كتبه الله لها .
إن إحساسها بالرضا والقناعة جعلها ترى في جدران هذا البيت المتهالك حصنا لها تحتمي به وتتكئ عليه ؟
إن إحساسها بالرضا جعلها ترى هذا الكون الموحش جنة النعيم والستر.
اللهم أني أشهدك وأشهد ملائكتك وجميع خلقك بأني قد رضيت بكل ما قدرته لي.
والآن مع رؤيتنا النقدية لهذه المجموعة:
بالنسبة للعنوان :أول ما يواجهنا في هذه المجموعة هو عنوانها اللافت للنظر،وخصوصا ذكر كلمة ( أسطورة) في العنوان .
لا شك أن إطلاق الكاتبة المسحة الأسطورية على أحد البشر نابع من تأكيد الكاتبة على الدور الخرافي الذي قامت به الست أم هلال فقد كانت حقا امرأة أعجوبة صامدة أمام الأحداث الجسام التي مرت بها من فقد الزوج والأهل والمال والسكن.
ونلاحظ أن العنوان جاء من إحدي قصص المجموعة ،وأن كل قصة منها تصلح عنوانا للمجموعة وذلك لأن الكاتية لم تضع عنوانا معبرا عن مضمون كل قصص المجموعة.
وتشتمل هذه المجموعة القصصية على 40 قصة قصيرة وقد جمعت هذه المجموعة العديد من المواقف الحياتية المشحونة بالعواطف الإنسانية من فرح وحزن وحب وكراهية .
وقد أكدت الكاتبة على أهمية الرضا في قصة ( امرأة استثنائية) فهذه المرأة لم تستطع العودة إلى الوطن بسبب ابنتها الصغيرة التي تحتاج إلى رعاية خاصة جدا سرقت منها حلم العودة للوطن، لكن(الرضا )جعلها تتجاوز كل المصاعب ، (الرضا) جعلها تشعر بالامتنان لكل يد امتدت لتمسح دمعة من خديها.
(الرضا) جعلها تشعر بالامتنان لكل من همس لها أنها ليست وحيدة في الغربة ، (الرضا) جعلها شاكرة إلى أولئك الذين لم يكونوا عند حسن ظنها وخذلوها في أوقات كثيرة لأنهم جعلوها تستفيق من غفوتها وتعرف قدرها لديهم.
وفي قصة ( زهرة مريم) تطرقت الكاتبة لقضية الولاء والانتماء للوطن أو للأشخاص ، فقد بينت لنا أن بعض الناس يلقون جذورهم بأرض لبعض الوقت ثم ينزعونها ،بحثا عن أرض جديدة تاركين أنفسهم للريح تنقلهم إلى أي مكان أخر ما داموا سيبقون لبعض الوقت ومن جديد سيرحلون.
ومرورا بقصة ( ابتسمي أنتِ جميلة) كشفت لنا الكاتبة بعض مظاهر الخداع فقد ننبهر ببعض الناس من الظاهر، وحين نتسلل إلى أعماقهم تكون المفاجأة والصدمة فينكشف عكس ما نراه تماما.
وفي قصة ( الحب في زمن الكورونا) وضحت لنا الكاتبة كيفية التأدب مع البلاء وبينت لنا أن هذا المرض عرفنا المعنى العميق والخفي للحب.
فعندما أصيبت الزوجة بهذا المرض اللعين أخذت تبكي وتصلي لا خوفا من المرض ولا من الموت وإنما من النهاية الحزينة وهي أن تموت منبوذة لا يستطيع أحد أن يقترب منها .
ولكن زوجها رفض أن يتركها وعرض نفسه لخطر العدوي بهذا المرض اللعين ولم يخش الإصابة به ويقول لها: إن هذا الفيروس جند من جنود الله نزل ليحصد من يحصد ويتجنب من لم يذكر اسمه.
وفي نهاية حديثنا عن هذه المجموعة القصصية ( أسطورة الحي الست أم هلال)
أقول إن الكاتبة أماني عز الدين قد شكلتِ القضايا والتساؤلات وانتقلتِ بين الأحداث ببراعة شديدة وبعثِ فيها الحركة والنشاط بمهارة فائقة.
كما برعتِ في اختيار شخصيات غير نمطية مثل شخصية شجرة نادية في قصة ( شجرة نادية)، وشخصية شال أم رقية ( قصة شال أم رقية)
وشخصية جميلة في قصة ( ابتسمي أنت جميلة) وطبعا شخصية أم هلا ل في قصة ( أسطورة الحي الست أم هلال) كما برعت الكاتبة في تحريك شخوصها ببراعة ومرونة فائقة.
وهي قوق كل ذلك تستخدم لغة رشيقة حافلة بالتعبيرات القوية المشحونة بالعواطف، حتى لا يمل القارئ، وقد بدت اللغة السردية شعرية وفيها الكثير من التكثيف والمجاز والصور الشعرية الجميلة.
وأخيرا :
اقول للكاتبة أماني عز الدين مؤلفة هذه المجموعة القصصية ( أسطورة الحي الست أم هلال) :أنتِ حقا جوهرة من جواهر الإبداع، وكم أنا محظوظ بنقد هذه المجموعة القصصية ذات الأفكار المبتكرة ، والتي فتحت لنا أفاقا جديدة للتفكيروالإبداع.





Вячеслав Николаев .