
إشراقة نقدية في قصة أربعة وعشرين قيراط للكاتبة “دعاء البطراوي “
كيف يكون اختيار الله لعبده أفضل من اختيار العبد لنفسه رغم قسوة الحياة التي يعيشها؟
كتب : الناقد الأدبي.د/عادل يوسف
قال تعالى :” وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون” القصص، الآية : 68 .
كيف تتعامل إذا واجهتك مصيبة أو مشكلة ؟ هل ستصرخ وتشتكي وتندب حظك؟ أم ترضى بقضاء الله وقدره وتحتسب الأجر والثواب عند الله؟
أقول لك : عليك أن تحمد الله على المشاكل وكل ابتلاء من الله ، لأنه يكفيك أن المبتلي هو الله ، ولأن هذه المصيبة لم تكن في دينك ، لأن أكبر مصيبة هي مصيبة الدين، فمن يفقد دينه يفقد الدنيا والأخرة.
تمسك بمفتاح الرضا بالقضاء والقدر، فالشكوى والصياح والندب لن يغيروا شيئا من قضاء الله بل تدعو الله أن يرفع عنك هذا البلاء.
لقد أرادت الكاتبة دعاء البطراوي أن تقول لنا في قصة ( أربعة وعشرين قيراطا) أن الرضا هو باب الله الأعظم ، وهو جنة الدنيا ، وطريق السعداء ، وكيف لا نرضى ونحن نوقن أن الله هو (الرحمن ) فهو أرحم بعباده من رحمة الأم بوليدها؟ كيف لا نرضى ونحن نعلم أن الله هو ( العليم) يعلم ما ينفع عبده وما يضره؟ كيف لا نرضى ونحن نثق أن الله هو ( اللطيف) لا يكلف نفسا فوق طاقتها؟ يبتلي الناس ليطهرهم من الذنوب ويرفع درجاتهم.
وتشغل الكاتبة دعاء البطراوي موقعا متميزا في فن الرواية ومن رواياتها رواية (جريمة اسمها الحب) ولها عدة رؤى نقدية ، ولكنها الآن تطل علينا بقصة رائعة بعنوان ( أربعة وعشرين قيراطا) .
ولنبدأ بهذا المشهد الدرامي الساطع الذي يوضح لنا حالة يصيح ويندب حظه ويعترض على نصيبه تقول دعاء البطراوي: ” كنت أعمل خادمة وأنا في سن الثامنة عند نادين ، حرارة الشمس مشكلة كبيرة، لأنها ستؤذي بشرتها الرقيقة ، اختفاء إصبع الروج مصيبة يجب أن تتوقف الحياة من أجلها ، كسر ظفرها مأساة تستحق البكاء .
حياتها المرفهة لم تخبرها أن هناك أنواعا أخرى من المصائب والكوارث مثل حياتي ، كانت تقهرني حياة أختي الصغيرة وهي تتضور جوعا ، ينفطر قلبي أمام مرض أمي التي لم تجد ثمن الدواء ، أقف عاجزة أمام ديون أبي التي لم يسددها وهو ينتظرالسجن ، لم تتجرع نادين قسوة الدنيا كما حدث لي نالت نادين من الدنيا أكثر من قراريطها الأربعة وعشرين”
لقد أوضحت لنا الكاتبة ببراعة شديدة حجم المأساة التي تعاني منها بطلة القصة من فقر وجوع ومرض وجهل ، ولكن كيف النجاة من هذه المأساة ؟
إن طوق النجاة الوحيد من هذه المأساة وغيرها ـأن ترضى بصورتك، ووصفك، ومستواك، ودخلك القليل، وابنك المريض، ولا تقارن نفسك بأحد فالكل عنده مشاكله التي تؤرقه، فالذي يرضى بقضاء الله وقدره يملأ الله قلبه بالسعادة والسرور ، والذي لا يمد عينيه لغيره يشعر بالأمان والرضا والنعم التى عنده ،أما إذا مد عينيه لغيره فلن يشعر إلا بالنقص والدونية والغيرة كما حدث لبطلة الراوية أم ندى.
ولنقتبس هذا الموقف الخطير من القصة، تقول دعاء البطراوي : ” اتسعت عيناى ذهولا، لم أصدق أذني، وأنا أسمع صوتها يسألني : أين كنت ؟ لماذا لم ترجعي ؟ هل أحضرت أكل العصافير؟ فابتسمت فرحا ،وشعرت يسعادة لم أعرفها ، فطنت أنني لم أقتلها تلك المرة ، مثلما لم أفعل في المرات السابقة”
هكذا بينت لنا الكاتبة أن بطلة القصة استقر في قلبها معاني الرضا والقناعة بما قسمه الله، لذلك لم تقتل سيدتها وعاشت راضية عن حياتها رغم قسوتها.
أما بالنسبة للإشراقة النقدية على قصة ( أربعة وعشرين قيراطا) :
عنوان القصة يمثل شفرة فنية رمزية لمضمون القصة ،وله سحر ومتعة وجاذبية شديدة تدفع القارئ لقراءة القصة بلهفة ، وهو أيضا المفتاح الذهبي للدخول في عالم النص .
بالنسبة للعنوان ( أربعة وعشرين قيراطا)، بتأمل هذا العنوان نجد أنه يدل على العدالة الإلهية في توزيع النعم على البشر سواء صحة ، مال ، جاه ، راحة بال ، وغير ذلك من النعم ، وكذلك العدالة الإلهية في توزيع المشاكل على البشر من فقر ، جهل ، مرض كل إنسان حسب طاقته فلا يوجد نعيم كامل في الدنيا.
وتعد المفارقة من أهم الأسس التي يتكئ عليها بناء القصة القصيرة ويقصد بها التناقض والتضاد ، والمفارقة تؤدي إلى تعميق الإحساس الظاهري ومنح النص القصصي القوة والتأثير من خلال الأضداد.
ونلاحظ تسليط الضوء على المفارقة الكبيرة بين حياة الطبقة المرفهة المتمثلة في نادين، حيث أن أشعة الشمس تؤذي بشرتها البيضاء الرقيقة ، واختفاء إصبع الروج مشكلة كبرى. في حين نجد أن أم ندى لا تجد ثمن الدواء لأمها المريضة ، ولا تجد المال لتسدد الديون لأبيها وتنقذه من السجن.
إن أهم سمة فنية في بناء هذه القصة القصيرة هي اعتمادها على تقنية الحلم، وقد برعت دعاء البطراوي في توظيف الحلم كوسيلة لإنقاذ البطلة من المشاعر السلبية والإحساس بالنقص، والدونية والذل، لذلك حاولت البطلة أن تقتل نادين خنقا عدة مرات في الحلم ومن خلال العقل الباطن ؛ للتخلص من كل مشاعر الضعف والعجز والذل والدونية ،ثم عادت إلى الواقع بعد أن طهرها الحلم من هذه المشاعر.
بالنسبة للحوار الداخلي ، كان له قدرة كبيرة على النفاذ إلى أعماق الشخصية والخوض في مشاعرها وإحساسها وهمومها تقول دعاء :” ليه يا رب عملت كده ؟! .. هو أنا عملت إيه عشان يحصل لي كل ده؟ ليه إحنا فقرا وهم أغنيا؟
بالنسبة لأسلوب السرد ، جمعت الكاتبة بين اللغة الفصحى واللهجة العامية بما تتميز به اللهجة العامية من قدرة كبيرة على محاكاة الواقع.
بالنسبة للحبكة ، تميزت هذه القصة باستخدام حبكة جديدة غير تقليدية يطلق عليها (حبكة المأساة ) وهي التي تحكي قصة السقوط من القمة حيث بدأت القصة من قمة المأساة وهي قتل نادين.
تقول دعاء البطراوي :” قتلت نادين ، وضعت الوسادة فوق رأسها توسلت لي أن أتركها ، لم أتركها حتى سكنت تماما بعد أن غادرتها الروح”
وأخيرا نهاية القصة ،تتمثل أهمية النهاية في توفير عنصر المفاجأة أو كسر التوقع بهدف تحقيق الإدهاش للمتلقي ، لذلك ينبغي أن تكون النهاية غير متوقعة وبعيدة عن الاحتمال ، ونجد النهاية غير المتوقعة والتي أدهشت القارئ في قصة ( أربعة وعشرين قيراطا).
فنجد أن الكاتبة تفاجئ القارئ في نهاية القصة بأن البطلة لم تقتل نادين كما توهم القارئ طوال القصة ،رغم أنها قامت بخنقها بالوسادة وأخذت تتوسل إليها لكي تتركها تعيش ،وابنها يلوم عليها لماذا قتلت أمه فقد كان كل ذلك مجرد حلم وليس حقيقة.
وأخيرا:
أقول للكاتبة دعاء البطراوي بعد قراءتي النقدية لقصة ( أربعة وعشرون قيراطا) إنه عندما نبحث معاني الجمال نجدها مجسمة في مبدعة حروفها من ذهب وكلماتها ملونة بألوان من الرضا والسرور والقناعة بما قسمه الله لنا ،فهي حقا لها حضور يسرق الأنوار والأنظار.




