
الموت الجميل في المجموعة القصصية “تخاريف منتصف الليل” للكاتبة هبة عادل
كتب : الناقد الأدبي/د.عادل يوسف
من يجعل أهله يذكرونه بعد رحيله ويستمرون في الإحساس بأنه يعيش معهم ، لا يكون قد رحل نهائيا عنهم، ولا يكون قد مات موتا تاما ؛لأن كلماته ما زالت ترن في آذانهم وأفعاله ما زالت حاضرة بينهم .
هكذا تريد أن تقول لنا الكاتبة هبة عادل إن بعض الموتى أحيانا يظلون على قيد الحياة بأعمالهم وكلماتهم السامية رغم رحيلهم.ونجد ذلك المعنى واضحا من خلال تأمل قصتها القصيرة ( أمواتي الأعزاء) من باقتها القصصية( تخاريف منتصف الليل ) : ” أخيرا وحدي معك بعد انقطاع دام عشرين عاما ، أتذكر زيارتي الأخيرة لك ، عندما أهديتك ثمار الفراولة ، والآن أعيش بين الأحياء ، ولكن قلبي يرقد مع الأموات ، شوقي إلى تلك الضحكة ينهش فؤادي فقد حظيت بوجودك الرائع في حياتي”
يتضح من هذا المقطع التراجيدي أن أمها ما زالت حية في ذاكرتها رغم مرور عشرين عاما على رحيلها ،والعنوان ( أمواتي الأعزاء) عبارة عن أسلوب نداء فيه استحضار لهؤلاء الموتى وطلب الإقبال عليها ، فالجرح كما ترون غائر داخل أرواحنا وليس مجرد خدوش بسيطة سطحية تنتهي بمرور فترة قليلة من الوقت كما يزعم بعض الناس.
وتحتل الكاتبة هبة عادل موقعا متميزا في المشهد القصصي ، وهي من المبدعات اللاتي حققن تفردا مهما في الباقة القصصية
( تخاريف منتصف الليل ) حيث تميز أسلوب هذه المجموعة القصصية بالتشويق الذي يجذب القراء وهذا واضح من خلال قصة :المدللة ، وذنوب عاشقة ، وتخاريف منتصف الليل. ولكن هناك بعض القصص حققت قدرا كبيرا من التميز والإبداع ، تأتي على رأسهم قصة ( طبول الحب) .
وبحسب قراءتي النقدية لهذه القصة الفريدة لاحظت أنها جعلت للموت مدينة جميلة وهذه المدينة لا تخطر على بالنا، وجعلت الشخص فيها هو الذي يذهب إلى الموت طواعية، ويستقبل الموت بالفرحة والسعادة ،ولا ينزل منه قطرة دم ، ولا ترتدي عليه النساء الملابس السوداء ، ولا تصرخ وتبكي عليه.
ورغم أن هذه المدينة متخيلة وأسطورية، لكن الكاتبة استطاعت أن تجعل الخيال أقرب إلى الحقيقة، حيث جسدت لنا المدينة بألوانها ومعالمها، وبسرد وصفي عجيب حافل بالرمزية والدلالات. تقول الكاتبة في قصة
( طبول الحب):
“الموت في مدينة الأبيض لا يشبه الموت في جميع المدن الأخرى بل له أوجه غير التي نعرفها، لا ترتدي فيها النساء الملابس السوداء، ولا تقوم بالصراخ أو البكاء، لا تسيل من القتيل قطرة دم يستقبل الشخص الموت وهو يعلن الفرح”
ولا شك أن قارئ هذه الباقة القصصية يلاحظ تنوع نصوصها ، ولكني لاحظت حضور الموت في أكثر من قصة مثل : قصة ( شظايا الروح ، أمواتي الأعزاء .
وقد عاجت الكاتبة فلسفة الموت في هذه القصص بطريقة رائعة للغاية ، جسدت فيها معاني التراجيديا.
ولكن عندي سؤال مهم يحيرني ويهز وجداني وهو: ماذا نفعل عندما نفقد شخصا عزيزا علينا بسبب الموت؟
أقول إن الحزن حاجز غير مرئي يحجز بيننا وبين العالم وهذا الحزن يمر بخمسة مراحل هي :
المرحلة الأولى : الأنكار
تتضمن هذه المرحلة إقناع الشخص لنفسه بأن الحدث الصادم وهو الموت لم يحدث ولا يصدقه ، ولكن هذا يكون في الظاهر، ولكن أعماقه تعرف الحقيقه.
المرحلة الثانية : الغضب.
فى هذه المرحلة يشعر الشخص بالغضب بسبب فقد الشخص العزيز عليه وقد يتشاجر لأتفه الأسباب ،والغضب مرحلة مهمة للتعافي من الشعور بالفقدان .
المرحلة الثالثة: المساومة.
وهي مرحلة الشعور بالذنب، فقد يشعر الشخص بأنه كان يمكن تغيير ما حدث إذا فعل شيئا محددا فيقول: يا ليتني فعلت كذا قبل رحيله.
المرحلة الرابعة : الاكتئاب.
وهي حزن مستمر قد يعرقل سير حياته الطبيعية وهذا الاكتئاب قد يستغرق بعض الوقت ، ويبكي الشخص باستمرار ، وقد يفقد الشهية ويضطرب نومه .
المرحلة الخامسة : قبول الحزن.
وهنا يتقبل الإنسان الموت والفقدان ويعترف به فيشعر بالسلام والهدوء ويستحضر قول الله عزوجل ” وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون”
وليس من الضروري أن يمر الشخص بكل هذه المراحل بل قد يمر بعضها ، وقد لاحظت معظم هذه المراحل في قصة (شظايا الروح) التي تتحدث عن فقدان الزوج أو السند . تقول الكاتبة : ” لقد رحل سندي في هذه الحياة بعد أن تشاركنا في الحياة ثلاثين عاما ، أتذكر التاريخ المشئوم ، أصبحت السماء رمادية ، أغرق في أحلام اليقظة ، الحزن يطبق على روحي ، أشعر بأن روحي تتصاعد إلى السماء ، خيم الاكتئاب على روحي ، أصبحت أعاني من انحراف المزاج والبكاء ، أشعر كأني صفحة قد طويت من كتاب الماضي البعيد ، وبقيت على ذلك حتى ذهبت إلى دار الأيتام ، وهنا بدأت أشعر بالحب والحنان مع الأطفال وبدأت أحيا من جديد”
ونلاحظ أن أسلوب السرد في هذه المجموعة القصصية ( تخاريف منتصف الليل) للكاتبة المتألقة هبة عادل أن لغة السرد والحوار لغة نقية فصحى في كافة قصص المجموعة، لم تستخدم أية كلمة عامية في المجموعة القصصية .
إن أهم سمة تجلت في لغة المجموعة القصصية ( تخاريف منتصف الليل) هي اللغة الشعرية التي فيها على التشبيهات والاستعارات والألفاظ المشحونة بالعواطف وهي لغة سهلة ممتعة لا تخلو من السلاسة والانسيابية كما أن الكاتبة ابتعدت عن اللغة التقريرية المباشرة.
كما لجأت الكاتبة إلى أسلوب التشخيص بمعنى بث روح الحياة على الجمادات فأضفت على الألفاظ علاقات جديدة لم تكن معهودة من قبل.
ومن أجمل سمات هذه المجموعة القصصية استخدام الحوار الداخلي وهو حوار الشخصية مع ذاتها فهو يصلح للتعبير عن الذكريات والمشاعر المكبوتة داخل الشخصيات، كما يساهم في تصعيد الحدث الدرامي.
وأخيرا:
أقدم تحية إكبار وتقدير لهذه الكاتبة المتألقة هبة عادل،لأنها صاحبة رسالة سامية حريصة على معاجة قضايا مجتمعها بكل تفان وإخلاص وأرجو لها مزيدا من التألق والإبداع في ميدان القصة القصيرة .




