
ظاهرة التصوير والتشهير وركوب “الترند”
د. عبدالله أحمد استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية
متابعة نشوى شطا
قراءة نفسية في ظاهرة التصوير والتشهير وركوب “الترند”
د. عبدالله أحمد
استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية
لم يعد يمر يوم في مصر دون أن نرى فيديو جديدًا:
مشاجرة في الشارع.
واقعة تحرش في المواصلات.
خلاف بين زوجين.
فتاة تُصوَّر دون علمها.
أو رجل يتم تصويره واتهامه قبل أن يقول كلمة واحدة.
الهاتف المحمول لم يعد وسيلة اتصال فقط…
بل أصبح قاضيًا ومحققًا ومنصة محاكمة علنية في نفس اللحظة.
والسؤال الذي يفرض نفسه:
هل المجتمع فقد توازنه؟ أم أننا فقدنا صبرنا؟
أولًا: لماذا أصبح التصوير رد الفعل الأول؟
سرعة الإثارة أقوى من التفكير
العقل البشري يميل إلى الاستجابة السريعة للمواقف الصادمة.
عندما يحدث خطأ أمامنا، يندفع الجهاز العصبي إلى “رد الفعل” لا إلى “الحكمة”.
في الماضي كنا نتدخل بالكلام.
اليوم نخرج الهاتف أولًا.
لماذا؟
لأن الهاتف يمنحنا إحساسًا بالقوة والسيطرة.
ثقافة الترند والمكافأة النفسية
كل فيديو ينتشر يمنح صاحبه:
اهتمامًا
متابعين
إعجابات
شعورًا بالأهمية
وهنا يدخل ما نسميه في علم النفس:
“التعزيز الفوري”
المخ يفرز الدوبامين عند كل تفاعل أو مشاهدة مرتفعة.
فنبدأ لا نشعر بالحدث نفسه…
بل نشعر بنشوة الانتشار.
غياب الثقة في العدالة الفورية
جزء من الناس يصور بدافع:
“لو ما صورتش، محدش هيصدق”.
وهنا نرى فقدانًا في الثقة بأن المؤسسات قادرة على احتواء الموقف سريعًا،
فيتحول المواطن إلى “موثق” بدل أن يكون “شاهدًا”.
ثانيًا: لماذا أصبحنا لا نتحمل خطأ بعضنا؟
المجتمع المصري تاريخيًا مجتمع احتواء.
اليوم أصبح مجتمع تصيّد.
السبب؟
الضغط النفسي المزمن
أعباء اقتصادية
توتر يومي
ازدحام
احتكاك دائم
الإنسان المرهق نفسيًا يصبح أقل صبرًا وأكثر اندفاعًا.
تضخم الأنا الفردية
وسائل التواصل صنعت وهمًا أن: “كل رأيي مهم”
“كل موقف أعيشه يجب أن يُوثّق”
فتحولت الحياة اليومية إلى مسرح.
اختفاء المساحات الخاصة
زمان كان الخطأ يُعالج في نطاق محدود.
اليوم يتحول في دقائق إلى قضية رأي عام.
والتشهير العلني أحيانًا يدمّر أسرًا كاملة قبل أن تظهر الحقيقة.
ثالثًا: الفرق بين التوثيق المشروع والتشهير المرضي
هناك حالات يكون فيها التصوير ضرورة:
إثبات جريمة
حماية ضحية
تقديم دليل قانوني
لكن الفرق واضح بين: التوثيق بهدف الحماية
والتصوير بهدف الفضفضة أو الانتقام أو ركوب الترند.
في علم النفس نسمي النوع الثاني:
“الاندفاع الأخلاقي اللحظي”
حيث يشعر الشخص أنه يدافع عن القيم، لكنه في الحقيقة يساهم في الفوضى.
رابعًا: ماذا يحدث نفسيًا للمجتمع؟
ارتفاع مستوى الشك بين الناس.
شعور دائم بأنك مراقَب.
خوف من الخطأ البشري الطبيعي.
زيادة القلق الاجتماعي.
تطبيع فكرة الفضيحة.
وهنا يختل التوازن.
المجتمع الصحي يقوم على الثقة…
لا على الكاميرا.
خامسًا: لماذا “تعبنا” من الفيديوهات؟
لأن عقولنا لا تتحمل هذا الكم من الإثارة اليومية.
كل فيديو صادم يرفع مستوى التوتر الداخلي.
ومع التكرار نصاب بما يسمى:
الإرهاق العاطفي الجمعي.
نشعر أننا نعيش في حالة أزمة مستمرة.
الحل… هل هو منع التصوير؟
لا.
الحل ليس في إغلاق الهواتف،
بل في إعادة ضبط الوعي.
🔹 على المستوى الفردي:
اسأل نفسك: لماذا أصوّر؟ حماية أم شهرة؟
هل أستطيع حل الموقف بدون نشره؟
هل النشر سيصلح أم سيدمر؟
🔹 على المستوى الأسري:
تعليم الأبناء الفرق بين الحق والتشهير.
غرس قيمة الستر والاحتواء.
تدريبهم على إدارة الغضب قبل الضغط على زر “تسجيل”.
🔹 على المستوى المجتمعي:
تعزيز الثقة في القانون.
نشر ثقافة التدخل الإيجابي بدل التصوير السلبي.
توعية إعلامية مسؤولة لا تلهث خلف التريند.
رسالة أخيرة
لسنا مجتمعًا سيئًا…
لكننا مجتمع مرهق.
الموبايل ليس المشكلة.
المشكلة في طريقة استخدامه.
كلنا معرضون للخطأ.
وكلنا لا نحب أن يُختصر موقف في فيديو 30 ثانية.
الإنسان يحتاج احتواء أكثر مما يحتاج كاميرا.
والقيمة الحقيقية ليست في “عدد المشاهدات”…
بل في عدد القلوب التي حافظنا عليها من الانكسار.
د. عبدالله أحمد
استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية والزواجية




