
أضواء نقدية على المجموعة القصصية (آدم بين مطرقة حواء والسندان) للكاتب الكبير عمرو أنور
كتب : الناقد الأدبي د/عادل يوسف
تدور هذه المجموعة القصصية حول مواقف حياتية ومشاهد من حياة آدم وحواء وبغلب عليها طابع الحزن والأسى على ما يحدث لآدم بسبب حواء.
ومن القصص المدهشة التي أعجبتني قصة ( حلم حياتي) ،تدور هذه القصة حول امرأة قليلة الجمال سوداء اللون، لا تجدي معها الكريمات المبيضة للبشرة ، حلم حياتها أن تكون أما تحمل طفلها ، تداعبه ، تسمع صوت بكائه ، تحكي له الحواديت، فلم يتحقق حلمها لعدم زواجها ، فتشتري العرائس المصنوعة من القماش والبلاستيك على هيئة بنات وأولاد لتشبع غريزة الأمومة ، وتمر السنوات ويكبر حلمها في الأمومة، فتأخذ عرائسها في نزهة خارج المنزل ، وعندما تحس أن العرائس دافئة ليلا تذهب بهم للطبيب ،والأغرب من ذلك أنها لا تنسى مواعيد التطعيمات للعرائس، ثم تتزوج من رجل لا ينجب ، فتعود إلى رعاية أبنائها وبناتها وتقضي معهم ساعات طويلة في الغرفة ، لا يهمها إن كانت من لحم أو دم ، المهم أنها تتكلم فتنصت لها العرائس”
ومن القصص المذهلة في هذه المجموعة القصصية قصة (جينات) ،هذه القصة التي جعلتني أعيش عقودا طويلة من حياتي بين سطورها ،وأثارت لدي العديد من الصراعات المؤلمة ، وجذبني فيها عمق الوصف وغرابة الصراع بين جينات العنف والقسوة والجبروت التي ورثنها من أبيها ، وجينات الوداعة والاستسلام والخوف المطلق التي ورثتها البطلة من أمها الحنون ، فقدجعل أبوها حياتها جحيم مطلقا، بسسب جبروته وقسوته ،ثم تزوجت بعد ذلك وعمرها 19 عاما من رجل يكبرها ب 25 عاما ، عاشت معه كأنها في معتقل لا تستطيع الشكوى ولا الكلام بسسب قسوة وجبروت هذا الزوج المستبد ، ثم يموت هذا الزوج ، وتتزوج من رجل عطوف حنون ، وهنا تعود جينات الأب القاسي لتظهر على السطح وتغوص جينات الوداعة والرقة لتتحول بعد ذلك لكرة من اللهب تحرق زوجها وتتمادي في تعذيبه وحرمانه.
فنجد من خلال هذه القصص أن الكاتب يغوص في أعماق النفس البشرية بضحكها، وحزنها، وفشلها، وطموحها .وتجد حواء ضالتها في هذه القصص وتعرف مواطن القوة والانتصار على آدم .
ونلاحظ أن شخصية المرأة واضحة جدا في هذه المجموعة القصصية فتارة تصنع الحدث مثل قصة (دائرة الانتقام) ، فنجد بطلة القصة هي التى سترسم خطة الانتقام من الرجل وهي التي ستقوم بتعذيب الرجل مرات ومرات ،ولن تبالي بحجم ما سوف يعانيه الرجل جراء هذا الانتقام ، ونجد شخصية المرأة ظاهرة بوضوح في قصة (الطاعة أولا ) فبطلة القصة ( هناء) تضع شرطا في غاية الأهمية لمن يريد التقدم للزواج منها وهو الطاعة العمياء، فالبطلة هنا هي محور الأحداث وهي المسيطرة عليها .
وأحيانا نجد أن البطلة يقتصر دورها على الانفعال بالأحداث كما في قصة ( حلم حياتي فقد جعل الكاتب لنا أن حلم حياة البطلة هو أن تصبح أما وأظهر لنا مشاعرها الجارفة من شوق وحنين شديد للأمومة وكيف سيطرت عليها هذه المشاعر وتحكمت فيها حتى جعلتها تذهب لشراء عرئس من قماش وبلاستيك لتكون بديلا لبناتها وأولادها، لدرجة أنها تخرج معهم في نزهة، بل يصل الأمر للقيام بتطعيمهم ضد الأمراض .
وهناك بعض القصص بطلها آدم بوصفه شريك لحواء مثل قصة (هآناذا ) التي تدور أحداثها حول الطالب الذي دخل كلية الهندسة ،ليحقق رغبة أبيه في أن يكون مهندسا، ولكنه يفشل في الهندسة وينتقل إلى كلية الآداب.
ثانيا : أضواء نقديةعلى المجموعة القصصية آدم بين مطرقة حواء والسندان للكاتب المتألق عمرو أنور.
تمثل هذه المجموعة القصصية الإصدار الرابع للكاتب بعد صدور المجموعتين القصصيتين: مضطربون ولكن ظرفاء ،والمضطربون قادمون ، وراويته الطويلة قلعة النسيان المكونة من سبعة أجزاء ، ثم هذه المجموعة الرائعة ( آدم بين مطرقة حواء والسندان).
جاءت القصص بشكل عام أحداثها قليلة، لكنها مكتوبة بتفاصيل دقيقة ودرجة عالية من الشفافية، وهذا من أهم أسس بناء القصة القصيرة ،حيث تتميز بقلة الأحداث أو وحدة الحدث. وهي من الأدب الواقعي الذي ينهل من تفاصيل حياتنا التي نعيشها بحلوها ومرها.
وهي تتكون من إحدى عشرة قصة منفصلة ،ولكنها متصلة في نفس الوقت بخيط رقيق جمعها في نسيج واحد هو المشاكل، والمواقف، والصراعات بين الرجل والمرأة.
1-العنوان: آدم بين مطرقة حواء والسندان.
برع الكاتب في اختيار العنوان المثير الذي يعبر عن مضمون قصصه بعناية شديدة ،فالسندان بفتح السين هو الكتلة الحديدية التي يضرب عليها الحداد ، والمطرقة هي الكتلة الحديدية التي يضرب بها الحداد وآدم واقع في الوسط، ومعنى هذا العنوان أن آدم جاء واقعا بين أمرين كلاهما سيء كسندان ارتفاع سعر الدولار ، ومطرقة ارتفاع الأسعار ، ومطرقة الملل الزوجي ، وسندان الخيانة ، ومطرقة الغيرة ، وسندان الانتقام ، ومطرقة انعدام الخصوصية ، وسندان استبداد الزوجة . كان الله في عونك يا آدم.
2- الأسلوب:
أسلوب عمرو أنور كما عهدته من خلال أعماله السابقة أسلوب عبقري، يتميز بالعذوبة والسلاسة ،والجمع بين شاعرية اللغة وكثافة الوصف ، يستطيع أن يغوص بنا داخل أعماق الشخصيات، فيكشف لنا بدقة عن مشاعرها وأفكارها وآمالها.
3-السرد:
أبدع الكاتب عمرو أنور في سرد مجموعته القصصية ( آدم بين مطرقة حواء والسندان) ، واعتمد في أسلوبه على المواقف اليومية بين الرجل والمرأة ، وبرع في تشكيل أفكاره وربطها بالحاضر، وجعل المشاهد والأحداث والمواقف حية نابضة بالحركة والإحساس ، واستخدم أسلوب الوصف لإيصال أفكاره عن الشخصيات مثل وصف غريزة الأمومة في قصة حلم حياتي، ووصف قارئة الكف في قصة ( لا عزاء)
4-الحبكة:
جاءت الحبكة في هذه المجموعة القصصية متماسكة ومترابطة وأظهرت ببراعة فكر الكاتب وعبقريته.
5-الحوار :
جاء الحوار رائعا سلسا معبرا كل شخصية بصوتها وكيانها .
6-النهاية:
رسم الكاتب نهايات قصصة بدقة وبراعة فقد أعدّ نهايات منطقية لكل قصة ، ولكنها في نفس الوقت مفاجئة للقارئ راسخة في ذهنه، كما في نهاية قصة ( لا عزاء) (والطاعة أولا) ، و(آه من حواء).
7-وأخيرا:
أقول للكاتب الأستاذ عمرو أنور: إن هذه المجموعة القصصية باقات من ورد ، طيب شذاها، مبهج منظرها، أسلوبها مناسب لكل القراء ، كل قارئ يجد فيها ما يعبر عن نفسه، عميقة أفكارها ، خصب خيالها ، رقيقة ألفاظها كرقة المرأة التي يتحدث عنها ، وفي انتظار أعمالك القادمة بشغف ولهفة.



