
أدب الأطفال في معركة السّرد: جائزة فلسطين العالمية للآداب تنير الدرب وتبشّر بالإنتصار
بقلم: الأستاذة الدكتورة زهراء سلامي؛ رئيسة لجنة أدب الأطفال، وعضو المجلس التنفيذي لجائزة فلسطين العالمية للآداب
في زمن يوغل فيه الاحتلال في دماء الأبرياء، وتشهد فيه الإنسانية أبشع جرائم الإبادة، بينما تصنع فلسطين ملحمة الصمود والكبرياء؛ تغدو الكلمة أكثر من وسيلة للتعبير، ويغدو الحرف أرضا لا تغتصب. ومن هنا تبرز جائزة فلسطين العالمية للآداب، التي أرست لواءها الأول في بيروت، ثم شدت رحالها إلى بغداد في دورتها الثانية، لتقف اليوم على مشارف دورتها الثالثة؛ صرحا شامخا وحاملا رسالة عظمى ومشروعا حضاريا فريدا يدافع عن الحق بالجمال، ويجعل من الأدب جبهة استراتيجية في مواجهة التوحش الصهيوني وتزييفه للحقائق.
وتلقي مأساة أطفال فلسطين على أصحاب الأدب أمانة كبرى ومسؤولية تاريخية مستمرة؛ في فضح حرب الإبادة وقسوة النزوح ومظالم الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي لا يرقب في طفل عهدا ولا يرحم؛ فقد نهض أرباب القلم وصناع الفكر في حقل أدب الأطفال ليسطروا نصوصا خالدة تليق بعظمة الصمود، وتحفظ للذاكرة طهرها، ولا يزال هذا القلم الحي ينبض رسالة للأجيال القادمة، يحفظ الهوية ويؤسس ليقين الفتح والنصر. ويمتد هذا الأثر في عمق الوعي، مانحا الطفل والناشئة لغة العزة، وغارسا في وجدانهم يقين الانتماء لقضية فلسطين ومصيرها.
ولم توسس هذه الجائزة لغايات عابرة؛ بل جاءت لتجيب عن نداء القضية وإلحاح كلمة الحق، فتلم شمل أقلام الأحرار من كل أرجاء الأرض وتوحد جهودهم في معركة السرد؛ إيمانا بأن الكلمة الصادقة أشد نفاذا في ضمير العالم من كل سلاح، وأن الحقيقة وحدها قادرة على إسكات الضجيج وإفحام الأصوات المزيفة. لقد أتقن العدو الغاشم حبك الأكاذيب وتلفيق الخرافات ليغسل بها عقول العالم ويضلل ضميره؛ فكان لا بد من خوض هذا النضال بسلاح الفن الصادق والأدب المقاوم، بما يبعث قبسات البصيرة، ويواجه التزييف بالحقيقة. ولهذا تتلاقى اليوم أقلام الأحرار في مشارق الأرض ومغاربها، متجاوزة الحدود والأعراق، من العربية والإنجليزية والفارسية إلى الأوردية والتركية والإسبانية؛ لتنصر فلسطين بالشعر والرواية والقصة القصيرة وأدب الأطفال والمذكرات، محولة الأقلام إلى شهادة على الحق، والكلمات إلى سهام تصيب العدو، وتواصل الجائزة مسيرتها الواثقة في ميدان الأدب، واضعة أدب الأطفال درة في صميم رسالتها؛ أدبا يستشرف فجر الحرية، ويغرس في الأجيال قيم العدالة. وفيما تتكشف وحشية الاحتلال أمام ضمير العالم، تتسع دوائر الوعي والتضامن، ويجد أدباء الأرض في الكلمة طريقا أصيلا لنصرة أطفال فلسطین والتعريف بقضيتهم.
وإلى أن تستعيد القدس شرفها وكرامتها، وتعود الضحكة إلى سماء أطفال غزة، سنظل نجعل من كل قلم قنديلا للحق والنصر لا ينطفئ؛ مؤمنين بأن فجر التحرير آت لا محالة، وأن الأدب الصادق يظل شاهدا على المظلمة وحارسا للذاكرة، حتى نقف جميعا في رحاب المسجد الأقصى المبارك، ونروي للعالمين ملحمة الصمود والحرية، وتزهر الطفولة من جديد أمنا وكرامة.




