
الواقعية السحرية في رواية “دوار الدم” للكاتب “ممدوح عبد الهادي”
الواقعية السحرية في رواية “دوار الدم” للكاتب “ممدوح عبد الهادي”

كتب الناقد الادبى د عادل يوسف
مفهوم الواقعية السحرية عند الكاتب ممدوح عبد الهادي :
ليست الواقعية السحرية في رواية ” دوار الدم” للمؤلف ممدوح عبد الهادي مجرد إدخال الأشباح، والمعجزات، والخوارق، في الرواية من أجل إضفاء جو الرعب في الرواية ، إنما هي طريقة في رؤية الواقع نفسه في بعض قرى الريف المصري ، بحيث يصبح العجيب ، والخارق ، واللعنة ، جزءا طبيعيا من الحياة اليومية داخل قرية “دوار الدم “.
فلا يشعر القارئ بالحاجة إلى تفسيره أو إثب غرابته ، لأنه أصبح أمرا واقعا في حياة أهل القرية والقرى المجاورة.
فالواقعية السحرية هنا تقوم على مزج الواقعي بالعجائبي دون وضع حدود واضحة بينهما ، وهذا ما برع فيه الكاتب ممدوح عبد الهادي في روايته دوار الدم.
ففي روايات الرعب التقليدية قد يحدث أمر خارق للعادة فيتساءل القارئ : كيف حدث هذا ؟ هل هو حلم ؟ هل هو وهم ؟ هل هناك تفسير منطقي ؟
لماذا أطلقتُ عليها الواقعية السحرية ؟
ممدوح عبد الهادي في روايته “دوار الدم ” لا يهرب من الواقع إلى عالم الخيال ، وإنما يستخدم الخيال لكشف حقيقة الواقع .
نبذة عن رواية دوار الدم :
والآن ،استعد أيها القارئ الكريم للغوص في أعماق عالم مشحون بالغموض والرعب والخيال ، حيث يلتقي الواقع بالخيال في قرية من قرى صعيد مصر هي قرية ” دوار الدم”
يأخذنا ممدوح عبد الهادي من خلال روايته ” دوار الدم” إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، يواجه خلالها لعنة قديمة ، وقوى خفية في صراع بين الحكمة والخوف ، بين الحب والخطر ، بين الغموض والاكتشاف.
كل فصل من فصول الرواية نجد فيه التشويق ، والغموض ، والأحداث المتسارعة والمتدفقة ، كأنها مشاهد سينمائية تجعل القارئ أسير الأحداث من البداية إلى النهاية.
الأسلوب السردي السينيمائي:
اتسم أسلوب رواية ” دوار الدم” بالبساطة ، والسهولة ، وجمال الصور الفنية ، واستخدام الحوار العامي أثناء حديث الشخصيات ؛ليضفي مزيدا من الصدق والإقناع . ومن أمثلة ذلك:
” اسمعوني كويس ، إحنا هنحارب الأشباح دي بنفس طريقتهم ، هنولع الغابة كلها ، يمكن نلاقي هناك أبويا وأمي وجدتي والعم دهشان”
واتضح الأسلوب السردي السنسمائي من خلال بناء عوالم الخوف والرعب والغموض من خلال حديثة عن دوار الدم ، والبيت المبني وسط الغاب ، وبركة الغاب ، ووصف الذئاب المرعب .
يقول ممدوح عبد الهادي :
” كانت البركة تبدو كأنها كائن حي يبتلعنا ببطء ، كلما توغلنا شعرنا أن الأشجار تنحني فوق رؤسنا ، وأن الظلام يطبق علينا كجدران سجن هائل ، كان الهواء ثقيلا ، كأننا نتنفس داخل قبر”
وفي موضع آخر يقول الكاتب ممدوح عبد الهادي:
” رفعت رأسي ، فإذا بقطيع من الذئاب يقف أمامنا ، يقطع الطريق ، في صمت مرعب ، وعيون تلمع في الظلام كأنها تعرف أننا لن ننجو في هذه المرة.
بدأت الذئاب تضيق علينا الدائرة من جديد ، تقترب بخطوات محسوبة ، تكشر عن أنيابها ”
الحبكة والتشويق :
نجح الكاتب في خلق متاهة سردية مشوقة جعلت القارئ في حالة ترقب دائم من أول صفحة من خلال حديثه عن اللعنة في دوار الدم حتى آخر صفحة في القضاء على اللعنة ،وحرق الغاب، وهدم الدوار.
الرواية تركز بشكل مكثف على جوانب الرعب ،والغموض، والترقب، والأحداث المتسارعة، والمفاجآت؛ مما جعل الرواية تجربة خاصة في عوالم الخوف والرعب.
البعد الفلسفي في رواية دوار الدم:
تمثل رواية دوار الدم إحدى روايات اللعنة ، وهي تجسيد مجازي وعميق للصراع البشري مع الخوف ، والفقد ، والموت ، والعدالة الغيبية.
لا تُعد اللعنة في رواية دوار الدم مجرد عنصر خرافي مرعب، بل تكشف لنا عن هشاشة الإنسان أمام حتمية الموت ، وتاريخ الدم ، وتوضح لنا المسئولية الفردية والجماعية تجاه مقاومة لعنة الخوف .
تجليات لبعد السميولوجي للعنة في رواية دوار الدم:
يتضح البعد السيميولوجي في رواية دوار الدم لممدوح عبد الهادي في تحويل اللعنة من مجرد حدث خارق ، أو عقاب إلى نسق من العلامات والإشارات السيميولوجية ومنها:
1-المكان المسكون أو المدنس:
فقد ركز الكاتب على القرى المعزولة والغابات ودوار الدم ، لتتحول إلى أيقونات بصرية ورموز للخوف والموت والضياع.
2- الجسد علامة للعنة:
حيث تحولت النار في دوار الدم إلى أجساد كالجدة ، والذئاب ، وبعض الحيوانات.
3- الزمن المطلق:
أشارت اللعنة في رواية دوار الدم إلى انسداد زمن المستقبل ، فالزمن في الرواية لا يتقدم نحو التطور ، بل يعيد نفسه عبر الأجيال كعلامة وسميولوجيا على العجز الإنساني أمام لعنة الماضي.
وفي نهاية المطاف أقول:
حين تصبح اللعنة هي بطلة رواية دوار الدم؛ فإنها لا تقف عند حدود الخرافة ، بل تتسلل إلى أعماق النفس البشرية ؛ لتكشف لنا عن هواجسنا وخوفنا من المجهول ، وتوضح لنا أن أشد اللعنات قسوة هي التي نغرسها بأيدينا في تاريخنا ومستقبلنا.
وأخيرا…
أقول للكاتب ممدوح عبد الهادي:
لقد نجحت ببراعة فائقة في روايتك دوار الدم في الغوص في عوالم غامضة وتسليط الضوء على خطورة اللعنات وما تتركه من أثر مدمر يلاحق الأرواح والنفوس عبر الزمن .
شكرا لقلمك الذي خطف الأنفاس طول الرواية ، وفكرك الذي أيقظ فينا روح التأمل ، وإبداعك الذي أمتعنا حتى السطر الأخير .




