
الابتزاز الإلكتروني.. الجريمة الصامتة التي يحاصرها القانون
الابتزاز الإلكتروني.. الجريمة الصامتة التي يحاصرها القانون
بقلم : المستشار تامر محروس
المحامي لدى محكمة النقض والدستورية العليا والإدارية العليا
في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية، لم تعد الجرائم تقتصر على الشارع أو الأماكن العامة، بل انتقلت إلى العالم الرقمي، حيث تختبئ خلف الشاشات وجوه مجهولة تستغل التطور التكنولوجي للاعتداء على الآخرين وابتزازهم. ومن بين أخطر هذه الجرائم يبرز الابتزاز الإلكتروني، الذي بات يمثل تهديدًا حقيقيًا للأفراد والأسر، لما يخلفه من آثار نفسية واجتماعية قد تفوق في قسوتها كثيرًا من الجرائم التقليدية.
فالابتزاز الإلكتروني لم يعد مجرد رسائل تهديد عابرة، وإنما جريمة مكتملة الأركان يعاقب عليها القانون المصري بكل حزم. ويقصد به استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية لتهديد شخص بنشر صور أو مقاطع فيديو أو بيانات أو معلومات خاصة، أو التهديد بإلحاق ضرر به أو بأحد أفراد أسرته، بقصد إجباره على دفع أموال أو تحقيق منفعة مادية أو معنوية أو إجباره على القيام بتصرف معين.
وقد أحاط المشرع المصري هذه الجريمة بسياج قانوني واضح، فنظمتها المادة (327) من قانون العقوبات، إلى جانب المادة (25) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والتي جرمت الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة وإساءة استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية، تأكيدًا على أن كرامة الإنسان وخصوصيته مصونة سواء في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي.
ويشمل الابتزاز الإلكتروني جميع وسائل الاتصال الحديثة، سواء عبر تطبيقات المراسلة، أو البريد الإلكتروني، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو الرسائل النصية، أو غيرها من الوسائط الرقمية. ولا يكفي مجرد توجيه التهديد لقيام الجريمة، بل يشترط أن يكون مصحوبًا بطلب تحقيق منفعة مادية أو معنوية، وهو ما يميز الابتزاز عن غيره من صور التهديد.
ورغم وضوح النصوص القانونية، فإن هذه الجريمة لا تزال تشهد انتشارًا ملحوظًا، ويرجع ذلك إلى سهولة إخفاء هوية الجناة باستخدام الحسابات الوهمية والوسائل التقنية المختلفة، فضلًا عن ضعف الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين، خاصة الشباب، الذين قد يشاركون صورهم أو بياناتهم الشخصية دون إدراك للمخاطر المترتبة على ذلك.
كما يمثل الخوف من الفضيحة أو الوصمة الاجتماعية أحد أبرز الأسباب التي تدفع كثيرًا من الضحايا إلى الصمت، وهو ما يمنح المبتز فرصة للاستمرار في جرائمه. والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الضحية لا تتحمل أي مسؤولية عن الجريمة، وأن القانون يوفر لها الحماية الكاملة، وأن الإبلاغ عن الواقعة هو الخطوة الأولى لاستعادة الحقوق وملاحقة الجاني.
ومن هذا المنطلق، شدد المشرع المصري العقوبات المقررة لهذه الجريمة، حيث نصت المادة (327) من قانون العقوبات على معاقبة كل من هدد غيره كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال أو بإفشاء أمور مخلة بالشرف، وتزداد العقوبة إذا كان التهديد مصحوبًا بطلب منفعة. ففي بعض الحالات تصل العقوبة إلى السجن لمدة قد تبلغ سبع سنوات إذا ارتبط التهديد بالحصول على مقابل مادي أو معنوي.
كما نص قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات على الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، والغرامة التي لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، لكل من اعتدى على الحياة الخاصة أو استخدم وسائل الاتصال الإلكترونية في التهديد أو الإزعاج أو انتهاك الخصوصية، مع تشديد العقوبة في الظروف المشددة التي يقدرها القانون.
وقد أثبت الواقع العملي أن هذه النصوص ليست مجرد مواد قانونية جامدة، بل تطبق بكل حزم. فقد نجحت الأجهزة الأمنية خلال السنوات الأخيرة في كشف العديد من جرائم الابتزاز الإلكتروني، مستندة إلى الأدلة الرقمية وتقنيات تتبع الجرائم الإلكترونية، وتمكنت من ضبط عدد من المتهمين الذين ظنوا أن الاختباء خلف الشاشات سيمنحهم حصانة من العقاب.
وفي أكثر من قضية أثارت الرأي العام، أصدرت المحاكم المصرية أحكامًا رادعة بحق مرتكبي الابتزاز الإلكتروني، بعد ثبوت تورطهم في تهديد ضحاياهم بنشر صور أو بيانات خاصة مقابل الحصول على أموال أو منافع أخرى. وقد أكدت هذه الأحكام أن القضاء المصري يقف بالمرصاد لكل من يحاول استغلال التكنولوجيا للاعتداء على حقوق المواطنين، وأن العدالة قادرة على الوصول إلى الجناة مهما حاولوا إخفاء هوياتهم.
ولا شك أن مواجهة هذه الجريمة لا تعتمد على العقوبات وحدها، وإنما تبدأ بالوعي. فالحفاظ على الخصوصية، وعدم مشاركة الصور أو البيانات الشخصية مع غير الموثوق بهم، واستخدام وسائل الحماية الإلكترونية، وعدم الاستجابة لطلبات المبتزين، والاحتفاظ بجميع الرسائل والأدلة، ثم التوجه فورًا إلى الجهات المختصة للإبلاغ عن الواقعة، كلها خطوات أساسية تحد من انتشار هذه الجريمة وتساهم في حماية المجتمع.
إن الابتزاز الإلكتروني جريمة صامتة، لكنها ليست جريمة بلا عقاب. فالقانون المصري يقف بحزم إلى جانب الضحايا، والدولة تمتلك من الإمكانات والخبرات ما يمكنها من ملاحقة الجناة وتقديمهم للعدالة. ويبقى الوعي والإبلاغ السريع هما السلاح الأقوى في مواجهة هذا الخطر المتنامي، حتى يظل الفضاء الرقمي بيئة آمنة تحترم خصوصية الإنسان وتصون كرامته.




