
التحرش الجنسي في الأماكن العامة والمواصلات:جريمة تهدد الأمان المجتمعي وسيف القانون يواجهها بالحزم
التحرش الجنسي في الأماكن العامة والمواصلات:جريمة تهدد الأمان المجتمعي وسيف القانون يواجهها بالحزم
بقلم: المستشار تامر محروس
المحامي لدى محكمة النقض والدستورية العليا والإدارية العليا
في كل صباح، يخرج ملايين المواطنين إلى أعمالهم ودراستهم مستخدمين الشوارع ووسائل المواصلات العامة باعتبارها مرافق خدمية تكفل لهم حرية التنقل بأمان. لكن بالنسبة لكثير من النساء والفتيات، وربما بعض الأطفال والرجال أيضاً، تتحول هذه الرحلة اليومية إلى مصدر للقلق والخوف بسبب ظاهرة التحرش الجنسي، التي أصبحت واحدة من أخطر الجرائم المجتمعية لما تتركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة تمتد لسنوات طويلة.
فالتحرش لم يعد مجرد سلوك فردي أو تصرف عابر، وإنما جريمة مكتملة الأركان تمس كرامة الإنسان وحقه في الشعور بالأمان، وتنعكس آثارها السلبية على المجتمع بأكمله، إذ تدفع كثيراً من الضحايا إلى تجنب أماكن معينة أو الامتناع عن استخدام وسائل النقل أو حتى الانسحاب من بعض الأنشطة الاجتماعية خوفاً من التعرض لمواقف مشابهة.
وقد أدركت الدولة المصرية مبكراً خطورة هذه الظاهرة، فعملت على تطوير المنظومة التشريعية بصورة متلاحقة، لتوجيه رسالة واضحة مفادها أن التحرش ليس “معاكسة” أو “مزاحاً”، وإنما جريمة يعاقب عليها القانون بعقوبات رادعة قد تصل إلى السجن المشدد والغرامات المالية الكبيرة، خاصة إذا اقترنت بظروف مشددة أو استغلال للسلطة.
التحرش في مفهوم القانون المصري
حرص المشرع المصري على وضع تعريف واسع لجريمة التحرش حتى لا يفلت أي مرتكب من العقاب بسبب اختلاف وسيلة ارتكاب الجريمة.
وتنص المادة (306 مكرر أ) من قانون العقوبات على أن الجريمة تتحقق إذا تعرض شخص للغير بأي وسيلة تحمل إيحاءات أو تلميحات أو ألفاظ أو إشارات أو أفعال ذات طبيعة جنسية أو إباحية، سواء وقع ذلك في مكان عام أو خاص أو مطروق، وبأي وسيلة كانت، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية أو الوسائط الإلكترونية.
وهذا يعني أن القانون لا يشترط وقوع اعتداء جسدي حتى تتحقق الجريمة، بل إن مجرد إطلاق كلمات ذات طبيعة جنسية، أو إصدار إشارات خادشة، أو إرسال رسائل إلكترونية تحمل مضموناً جنسياً غير مرغوب فيه، يكفي لقيام المسؤولية الجنائية.
كما أن المشرع أغلق الباب أمام أي محاولات لتبرير هذه الأفعال تحت مسميات مثل “المجاملة” أو “المزاح”، مؤكداً أن معيار الجريمة هو انتهاك حرية المجني عليه وكرامته وإرادته.
أبعاد اجتماعية تتجاوز حدود الجريمة
ورغم التطور التشريعي، فإن القضاء على التحرش لا يعتمد على العقوبات وحدها، لأن الظاهرة ترتبط بعوامل اجتماعية وثقافية متعددة.
فالازدحام الشديد داخل وسائل النقل الجماعي والأسواق والأماكن العامة يمنح بعض ضعاف النفوس فرصة لاستغلال التكدس والاختفاء وسط الحشود.
كما أن بعض الموروثات الاجتماعية الخاطئة لا تزال تحاول تحميل الضحية جزءاً من المسؤولية، سواء بسبب ملابسها أو توقيت خروجها أو مكان وجودها، وهو أمر يتعارض تماماً مع مبادئ العدالة والقانون، لأن الجريمة تظل جريمة مهما كانت الظروف.
ويؤكد المختصون أن هذا النوع من التفكير يمثل أحد أهم أسباب عزوف كثير من الضحايا عن الإبلاغ، خوفاً من نظرة المجتمع أو التشكيك في روايتهم، وهو ما يمنح الجاني شعوراً زائفاً بالإفلات من العقاب.
لذلك فإن المواجهة الحقيقية تبدأ من تغيير الثقافة المجتمعية، وغرس قيم احترام الآخر، وترسيخ مفهوم أن كرامة الإنسان مصونة لا يجوز المساس بها تحت أي ظرف.
عقوبات مشددة ورسالة حاسمة
شهد قانون العقوبات المصري خلال السنوات الأخيرة تعديلات مهمة عززت الحماية القانونية لضحايا التحرش، وكان من أبرزها تشديد العقوبات على مرتكبي هذه الجرائم.
ففي صور التحرش الأساسية، يعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، مع غرامة مالية لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، بحسب ظروف كل قضية.
أما إذا اقترنت الجريمة بتتبع المجني عليه أو ملاحقته بقصد التحرش، فإن العقوبة ترتفع لتصبح الحبس مدة لا تقل عن سنة، مع غرامة قد تصل إلى عشرة آلاف جنيه.
ويأتي النص الأكثر صرامة في المادة (306 مكرر ب)، التي تعاقب على التحرش بقصد الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية، حيث تصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة قد تبلغ عشرين ألف جنيه.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تتحول الجريمة إلى صورة أشد خطورة إذا كان الجاني يتمتع بسلطة وظيفية أو أسرية أو تعليمية على المجني عليه، أو إذا ارتكبت الجريمة من أكثر من شخص، أو كان أحدهم يحمل سلاحاً.
وفي هذه الحالات، تصل العقوبة إلى السجن لمدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات، إضافة إلى غرامة مالية كبيرة قد تصل إلى خمسين ألف جنيه، مع مضاعفة العقوبات في حالة العود وتكرار ارتكاب الجريمة.
وتؤكد هذه النصوص أن الدولة لم تعد تتعامل مع التحرش باعتباره مخالفة بسيطة، وإنما باعتباره جريمة تهدد الأمن المجتمعي وتتطلب مواجهة حاسمة.
القضاء يطبق القانون بحزم
شهدت السنوات الأخيرة العديد من الأحكام القضائية التي عكست جدية الدولة في التصدي لجرائم التحرش، وأكدت أن القانون لا يفرق بين شخص وآخر.
وفي إحدى الوقائع التي لاقت اهتماماً واسعاً، تمكنت إحدى السيدات من توثيق واقعة تحرش تعرضت لها أثناء استقلالها سيارة تابعة لإحدى شركات النقل الذكي.
وساهمت الأدلة الرقمية، إلى جانب سرعة البلاغ، في تحرك الأجهزة الأمنية خلال وقت قياسي، حيث تم ضبط المتهم وإحالته إلى النيابة العامة التي باشرت التحقيقات، قبل أن يصدر حكم قضائي بإدانته وتوقيع العقوبة المقررة قانوناً
وتبرز هذه الواقعة أهمية الاحتفاظ بأي دليل متاح، سواء كان تسجيلات كاميرات، أو صوراً، أو رسائل إلكترونية، أو شهادات الشهود، لأن هذه الأدلة تعزز موقف المجني عليه أمام جهات التحقيق والمحكمة.
كما تؤكد أن القضاء المصري يطبق القانون بكل حياد، وأن حماية كرامة الإنسان تمثل إحدى أولويات العدالة الجنائية.
كيف يتصرف الضحية؟
ينصح المختصون بعدم الاستسلام للخوف أو الصمت عند التعرض لأي واقعة تحرش.
فالخطوة الأولى هي الابتعاد عن مصدر الخطر وتأمين النفس، ثم إبلاغ أقرب فرد أمن أو مسؤول إذا وقعت الواقعة في وسيلة نقل أو مكان عام.
كما يجب الاتصال بالشرطة وتحرير محضر رسمي يتضمن جميع تفاصيل الواقعة، مع تقديم أي أدلة متوافرة، مثل الصور أو مقاطع الفيديو أو تسجيلات كاميرات المراقبة أو بيانات الشهود.
وكلما تم الإبلاغ سريعاً، زادت فرص الوصول إلى الجاني وجمع الأدلة اللازمة لإدانته.
ومن المهم أيضاً أن يدرك المجتمع أن دعم الضحية وعدم التشكيك في روايتها يمثلان جزءاً أساسياً من مكافحة هذه الظاهرة، لأن الصمت والتردد يصبان في مصلحة الجاني وحده.
مسؤولية المجتمع
مواجهة التحرش ليست مسؤولية أجهزة الأمن أو القضاء وحدهما، وإنما هي مسؤولية تبدأ من الأسرة، التي يقع على عاتقها غرس قيم الاحترام لدى الأبناء، مروراً بالمؤسسات التعليمية والإعلامية ودور العبادة، وصولاً إلى كل فرد يشهد واقعة تحرش في الشارع أو المواصلات.
فالتدخل الإيجابي، والإبلاغ عن الجريمة، ومساندة الضحية، ونشر الوعي القانوني، كلها أدوات لا تقل أهمية عن العقوبات الجنائية.
كما أن وسائل الإعلام تؤدي دوراً محورياً في تصحيح المفاهيم المغلوطة، والتأكيد على أن اللوم لا يقع أبداً على الضحية، وإنما على الجاني وحده.
إن التحرش الجنسي اعتداء صريح على الكرامة الإنسانية قبل أن يكون مخالفة قانونية، وهو جريمة تهدد الشعور بالأمان داخل المجتمع، وتنعكس آثارها على الضحايا وأسرهم والمجتمع بأسره.
وقد وضع المشرع المصري منظومة قانونية متكاملة لمواجهة هذه الجريمة، مدعومة بقضاء عادل يطبق القانون بكل حزم، وأجهزة أمنية تتحرك بسرعة لضبط الجناة، إلا أن نجاح هذه المنظومة يظل مرهوناً بوعي المجتمع ورفضه الكامل للصمت أو التبرير.
ويبقى الأمل معقوداً على أن تتحول ثقافة الإبلاغ والمساندة إلى سلوك مجتمعي راسخ، حتى تصبح الشوارع ووسائل المواصلات أماكن آمنة للجميع، ويظل احترام الإنسان وكرامته قيمة لا تقبل المساومة أو الانتقاص.




