
للعدالة وجه آخر.. ماذا يحدث عندما يجلس الأب في مواجهة مبادئه؟
للعدالة وجه آخر.. ماذا يحدث عندما يجلس الأب في مواجهة مبادئه؟
بقلم: د. عبدالله أحمد
استشاري العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي
بعض المسلسلات تنجح لأنها تقدم قصة مشوقة، وبعضها ينجح لأنه يجعل المشاهد متوترًا طوال الوقت وهو يحاول اكتشاف الحقيقة. لكن هناك نوعًا ثالثًا أكثر ندرة وتأثيرًا، وهو الأعمال التي تدفعنا لمواجهة أنفسنا وطرح أسئلة لا نحب الإجابة عنها. وهذا بالضبط ما فعله مسلسل “للعدالة وجه آخر”.
منذ الحلقة الأولى يبدو الأمر وكأنه قضية قتل غامضة، لكن مع تطور الأحداث نكتشف أن القضية الحقيقية ليست جريمة وقعت، وإنما الصراع الذي يحدث داخل الإنسان عندما تتصادم القيم التي يؤمن بها مع أغلى الأشخاص في حياته.
فؤاد السرجاني، الإعلامي الشهير الذي بنى تاريخه المهني على الدفاع عن الحق والعدالة وكشف الفساد، يجد نفسه فجأة في أصعب اختبار يمكن أن يواجهه إنسان. ابنه متهم بجريمة قتل، والأدلة تتزايد، والشكوك تتسرب إلى الجميع، بل وتتسرب إليه هو شخصيًا. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي الذي يطرحه المسلسل على المشاهدين:
ماذا لو كان المتهم ابنك؟
هل ستتمسك بالمبادئ التي كنت تدافع عنها طوال حياتك؟
أم ستبحث عن أي وسيلة لإنقاذه مهما كان الثمن؟
من الناحية النفسية، المسلسل يقدم واحدًا من أعقد الصراعات الإنسانية التي يمكن أن يعيشها أي أب أو أم. فنحن جميعًا نحب أن نعتقد أننا أشخاص عادلون ومنصفون ونؤمن بالقانون والحق. لكن الحقيقة أن هذه القناعات لا يتم اختبارها فعليًا إلا عندما يصبح المتهم أو المخطئ شخصًا نحبه.
وهنا تظهر واحدة من أهم الحقائق النفسية التي نراها كثيرًا داخل الأسر. فمعظم الآباء لا يحبون أبناءهم حبًا مشروطًا. ولذلك عندما يخطئ الابن لا يفكر الأب أولًا في الخطأ، بل يفكر في الخوف عليه. يفكر في مستقبله. يفكر في العقوبة التي قد يتعرض لها. يفكر في الألم الذي سيصيبه إذا خسره. وفي هذه اللحظة يبدأ العقل في البحث عن التبريرات والدفاعات النفسية التي تحميه من مواجهة الحقيقة.
ولهذا لم يكن صراع فؤاد بين البراءة والإدانة فقط، بل كان صراعًا بين صورتين لنفسه. صورة الإعلامي الذي قضى عمره يطالب بالعدالة للجميع دون استثناء، وصورة الأب الذي يرى ابنه جزءًا من قلبه وروحه.
وهنا تظهر معضلة أخلاقية شديدة القسوة. لأن الإنسان عندما يكون بعيدًا عن المشكلة يكون الحكم سهلًا. كلنا نستطيع أن نطالب بالعدل عندما يتعلق الأمر بالآخرين. لكن عندما يدخل ابنك أو زوجتك أو أخوك أو أحد أحبائك إلى دائرة الاتهام، تصبح الأمور أكثر تعقيدًا بكثير.
ولعل أكثر ما يميز شخصية فؤاد السرجاني أنها تمثل نموذجًا موجودًا حولنا بكثرة. آباء وأمهات يعتقدون أنهم يعرفون أبناءهم جيدًا، ثم يكتشفون فجأة أن هناك جوانب كاملة من حياتهم لم يكونوا يعرفون عنها شيئًا.
وهنا يطرح المسلسل قضية أسرية مهمة جدًا.
هل نحن فعلًا نعرف أبناءنا؟
أم أننا نعرف الصورة التي نريد أن نراها فقط؟
كثير من الأسر تعيش سنوات طويلة تحت سقف واحد، لكنها لا تمتلك حوارًا حقيقيًا. يعرف الأب درجات ابنه الدراسية لكنه لا يعرف مخاوفه. تعرف الأم مواعيد ابنها لكنها لا تعرف أصدقاءه الحقيقيين. نعرف التفاصيل الخارجية ونجهل العالم الداخلي.
ولهذا كانت رحلة فؤاد في البحث عن الحقيقة مؤلمة. لأنه لم يكن يكتشف فقط تفاصيل الجريمة، بل كان يكتشف أشياء عن ابنه لم يكن يتخيل وجودها.
ومن الناحية النفسية أيضًا، يقدم المسلسل صورة شديدة الواقعية للأم عندما تتعرض الأسرة لأزمة كبيرة. شخصية داليا التي قدمتها أروى جودة تجسد حالة الانهيار التي تعيشها كثير من الأمهات عندما يشعرن أن أبناءهن مهددون. فالأم في مثل هذه المواقف لا تفكر بالقانون أو المنطق أولًا، بل تفكر بغريزة الحماية. وهذا ما يجعلها أحيانًا أكثر اندفاعًا من الأب وأكثر تمسكًا بالأمل حتى في أصعب الظروف.
لكن السؤال الذي أراه الأهم في المسلسل كله ليس: هل يوسف مذنب أم بريء؟
السؤال الأهم هو:
هل الحب يمكن أن يكون محايدًا؟
وهل يستطيع الأب أن يفصل بين مشاعره وأحكامه؟
الحقيقة النفسية تقول إن هذا من أصعب الأمور التي يمكن أن يطلبها الإنسان من نفسه. لأن الحب بطبيعته يدفعنا للدفاع عن من نحب، بينما العدالة تتطلب أحيانًا أن نقبل حقائق مؤلمة لا نريد الاعتراف بها.
وهنا تظهر عبقرية عنوان المسلسل نفسه: “للعدالة وجه آخر”.
لأن العدالة عندما ننظر إليها من الخارج تبدو واضحة وبسيطة. لكن عندما نراها من داخل الأزمة، ومن داخل قلب أب أو أم أو زوج أو أخ، تكتسب وجهًا مختلفًا تمامًا.
وربما لهذا السبب نجح المسلسل في جذب هذا الكم الكبير من المشاهدين. لأنه لم يناقش جريمة قتل فقط، بل ناقش سؤالًا إنسانيًا يمس كل بيت وكل أسرة:
ماذا ستفعل إذا وجدت نفسك يومًا مضطرًا للاختيار بين الحقيقة ومن تحب؟
في النهاية، أعتقد أن القيمة الحقيقية للمسلسل ليست في معرفة القاتل أو توقع النهاية، بل في قدرته على دفعنا للتفكير في علاقتنا بأبنائنا، وفي المسافة التي تفصل بين الحب والحماية والتبرير، وبين الرحمة والعدالة.
وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه لنا هو أن بناء علاقة صحية مع الأبناء لا يبدأ عندما تحدث الأزمة، بل يبدأ قبلها بسنوات. يبدأ بالحوار، والثقة، والاحتواء، ومعرفة العالم الداخلي للابن قبل أن تضطر الظروف لاكتشافه بطريقة مؤلمة.
فالأزمات لا تكشف فقط حقيقة الأشخاص، بل تكشف أيضًا حقيقة العلاقات التي بنيناها معهم.
د. عبدالله أحمد
استشاري العلاقات الأسرية والإرشاد النفسي
للاستشارات الأسرية والزوجية وحجز الجلسات الخاصة
📞 01013723663




