اخبار

الإرث الرقمي في ميزان الفقه الإسلامي

خدمات متفصلة عليك قدم علي قرض المشاريع المتوسطه والصغيره ومتناهية الصغر علشان تبدأ أو تكبر مشىوعك

الإرث الرقمي في ميزان الفقه الإسلامي

 

شهادة "ابن مصر" الثلاثية المتناقصة شهادة "ابن مصر" الثلاثية المتناقصة

إعداد: عبد الله الثقافي البلنوري الهندي

 

 

https://www.facebook.com/share/YKgyeWm92MFj1c3o/?mibextid=qi2Omg تمويل العربيه عندنا والبنزين علينا هديه تصل إلي 10.000جنيه بنزين

القضية في الموجز

https://www.facebook.com/share/YKgyeWm92MFj1c3o/?mibextid=qi2Omg

مع التطور التقني الهائل في العصر الحديث، أصبحت للإنسان ممتلكات رقمية ذات قيمة مالية ومعنوية كبيرة، مثل القنوات الإلكترونية، والحسابات الربحية في مواقع التواصل، والعملات الرقمية، والبرامج والكتب الإلكترونية، وغيرها من الحقوق المرتبطة بالعالم الرقمي. وقد أدى هذا التطور إلى ظهور ما يُعرف بـ «الإرث الرقمي»، وهو انتقال الحقوق والممتلكات الرقمية من الميت إلى ورثته بعد وفاته.

وهذه القضية تُعد من النوازل المعاصرة التي تحتاج إلى تأصيل فقهي يربط بين القواعد الشرعية القديمة والواقع التقني الجديد، حتى تُحفظ الحقوق وتُمنع النزاعات.

ضرورة البحث في هذه القضية

١) سيطرة الرقمنة في جميع المجالات

كثير من الناس يملكون اليوم حسابات ومشاريع إلكترونية تدرّ أرباحًا مستمرة، مما يجعلها أموالًا معتبرة شرعًا بشروطٍ تأتي.

٢) حفظ حقوق الورثة

دراسة الإرث الرقمي تساعد في بيان ما ينتقل إلى الورثة وما لا ينتقل، وكيفية التصرف فيه وفق الأحكام الشرعية.

٣) معالجة النوازل المعاصرة

الفقه الإسلامي قائم على الشمول والمرونة، ودراسة هذه المسائل تُظهر قدرة الشريعة على مواكبة المستجدات.

٤) تقليل النزاعات القانونية والأسرية

كثير من الحسابات الإلكترونية تكون مرتبطة بكلمات مرور أو عقود خاصة، مما يسبب إشكالات بعد الوفاة، ودراسة هذه الأحكام تسهم في حلها.

٥) بيان الفرق بين الحقوق المالية والشخصية

فبعض الحسابات تُعد مالًا قابلًا للإرث، بينما بعضها يتعلق بالخصوصية الشخصية، فلا يجوز نقله.

إشارات الفقهاء القدامى

مع أن الفقهاء المتقدمين لم يتحدثوا عن «الإرث الرقمي» بصورته الحديثة، إلا أنهم وضعوا قواعد عامة يمكن الاستفادة منها في هذه المسألة، ومن أهمها:

الكلام عن الحقوق المعنوية والمنافع

فقد بحث الفقهاء في توريث المنافع والحقوق المالية غير المادية، كحق التأليف، وحق الاختصاص، وبعض صور المنافع. وقد بيّنتُ فقه الحقوق بيعًا وهبةً في كتابي: «الحلول التراثية».

اعتبار كل ما له قيمة مالًا

قرر الفقهاء أن المال هو ما له قيمة ويُنتفع به عادة، وهذا المعنى يشمل كثيرًا من الأصول الرقمية المعاصرة.

بحث الفقهاء في توريث الديون والحقوق

تحدثوا عن انتقال الحقوق المالية والالتزامات إلى الورثة بعد الوفاة، وهو أصل مهم في باب الإرث الرقمي.

كلام الفقهاء عن الوثائق والكتب والمراسلات

فقد تناولوا أحكام ملكية الكتب والرسائل والوثائق الخاصة، ويمكن القياس عليها في الملفات والحسابات الإلكترونية.

القضية تفصيليًا

تُشكّل الحقوق الموروثة في الشريعة الإسلامية الوعاء الشامل لكل ما يخلّفه المتوفى من أصول مادية أو منافع معنوية ذات قيمة مالية. ولا يتم البدء في تقسيم هذه التركة على المستحقين إلا بعد استقطاع تكاليف التجهيز والدفن، وسداد كافة الديون المتعلقة بذمة الميت، وتنفيذ الوصايا الشرعية في حدود الثلث.

ويمكن إعادة صياغة وتصنيف هذه الحقوق بأسلوب عصري كما يلي:

أولًا: الحقوق المالية والممتلكات

وهي الركيزة الأساسية للتركة، وتنقسم إلى عدة صور:

الأعيان والمملوكات

وتشمل كافة الأصول الثابتة والمنقولة التي كان يمتلكها المتوفى، مثل الأراضي، والمباني، والمدخرات النقدية، والمحافظ الاستثمارية.

الحقوق المرتبطة بالأعيان (الحقوق العينية)

مثل العين المرهونة؛ حيث ينتقل الحق في استردادها للورثة بعد فك الرهن، أو الحقوق المرتبطة بالانتفاع بملك الغير.

الحقوق التعاقدية

وهي الالتزامات المالية التي نشأت عن عقود أبرمها المتوفى قبل رحيله، كالحق في استلام قيمة بضاعة مبيعة، أو الحق في تملّك عقار تم شراؤه ولم يُسلَّم بعد، بالإضافة إلى مستحقات عقود المقاولات والتوريد.

ثانيًا: حقوق الملكية الفكرية والابتكار

في الفقه المعاصر، تُعامل المنافع المعنوية معاملة الأموال، ويجري عليها الإرث، ومن أبرزها:

الإنتاج المعرفي

كحقوق التأليف والنشر للكتب والبحوث.

الابتكارات التقنية

مثل براءات الاختراع، وحقوق البرمجيات، والعلامات التجارية التي لها قيمة سوقية.

ثالثًا: حقوق الارتفاق والمنافع العقارية

وهي الحقوق القانونية والشرعية التي تتبع العقار الموروث وتخدمه، وتنتقل للورثة لضمان استمرارية الانتفاع بالملك، وتتمثل في:

حقوق المرفق التقليدية

مثل حق المرور في طريق خاص، وحق جلب الماء (السقي)، أو حق التعلية في البناء المشترك.

حقوق المرفق الحديثة

وتشمل الامتيازات المتصلة بالبنية التحتية، كالحق في الارتباط بشبكات الإمداد العامة، مثل الكهرباء والمياه وخطوط الاتصالات والإنترنت.

خلاصة القول

التركة في الإسلام ليست مجرد «أموال سائلة»، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق المادية والمعنوية والارتفاقية التي تضمن استقرار الذمة المالية للمتوفى واستمرار نفعها لورثته.

قال ابن حجر الهيتمي في تعريف التركة:

«يبدأُ وجوبا من تركة الميت، وهي ما يخلف من حق كخيار وحدّ قذف أو اختصاص، أو مال كخمر تخللت بعد موته ، ودية أُخذت من قاتله لدخولها في ملكه، وكذا ما وقع بشبكة نصبها في حياته على ما قاله الزركشي، وفيه نظر؛ لانتقالها بعد الموت للورثة، فالواقع بها من زوائد التركة، وهي ملكهم، إلا أن يجاب بأن سبب الملك نصبه للشبكة لا هي، وإذا استند الملك لفعله يكون تركة».

تحفة المحتاج (٦/٣٨٦).

وقوله: «حق أو اختصاص» إشارة إلى أن التركة ليست مجرد مال فقط. وأيضا يفهم من كلام ابن حجر رحمه الله: إذا مات ابن آدم أصبح جميع ما كان يملكه عند وفاته تركة ، سواء أكان هذا المال منقولا كالنقد والأثاث وغيره، أم غير منقول كالأراضي والعقارات، أو كان نتاج مجهود فعله في حياته وحصلت ثمرته بعد وفاته، كأن نصب شبكة للصيد فوقعت فيها طريدة، أو كان دية أو أرش جراحة، أو كان وديعة قد أودعها عند أحد أبنائه، كما يعلم من عبارة الخطيب في «المغني» أيضًا.

هل القنوات الإلكترونية والحسابات المربحة تورث ؟

شهد العالم في العصر الحديث تطوراً هائلاً في وسائل التقنية والإعلام الرقمي، حتى أصبحت المواقع الإلكترونية والقنوات على YouTube وصفحات Facebook وغيرها من المنصات مصدر دخل ثابت لكثير من الناس، بل ربما يربح بعضهم آلاف الروبيات يوميًا من خلال الإعلانات والمتابعات والتسويق الإلكتروني.

ومع هذا التطور برزت أسئلة فقهية جديدة ، من أهمها: هل هذه الحسابات والقنوات تعد من التركة بعد وفاة صاحبها؟ وهل تنتقل إلى الورثة كما تنتقل الأموال والعقارات؟

الفقه الإسلامي قائم على تحقيق مصالح الناس ومواكبة النوازل المتجددة ، ولهذا فإن العلماء المعاصرين نظروا إلى هذه المسألة في ضوء القواعد الفقهية العامة، فقرروا أن كل ما له قيمة مالية معتبرة عرفا ، ويجوز الانتفاع به شرعاً، فإنه يعد مالا معتبرا ، وتترتب عليه أحكام الملكية والإرث .

ومن هنا ، فإن القنوات الإلكترونية ، والمواقع المربحة، والحسابات التجارية التي تحقق دخلا ماليا مباحا ، تدخل ضمن التركة التي يتركها الميت؛ لأنها أصبحت اليوم أصولا مالية حقيقية ، تمامًا كالمتاجر والشركات والعقارات.

فالقناة التي تدر أرباحاً من الإعلانات ، أو الموقع الذي يحقق دخلا من الزيارات والاشتراكات ، أو الصفحة التجارية التي تمتلك جمهورا واسعاً ؛ كل ذلك يعد حقا ماليا له قيمة معتبرة، وبالتالي ينتقل إلى الورثة بعد وفاة صاحبه .

وقد توسّع الفقه في مفهوم المال والحقوق المالية، فلم يعد الأمر مقتصرا على النقود والأعيان المادية فقط، بل شمل الحقوق المعنوية والرقمية أيضًا، كالعلامات التجارية، وحقوق النشر، والحسابات الإلكترونية ذات القيمة التجارية. وهذا ما يعرف اليوم بـ «الإرث الرقمي» أو «التركة الرقمية».

وأصبح من المستقر أن محل الحقوق المعنوية داخل في مسمى المال شرعا ؛ لأن لها قيمة معتبرة عند الناس ، ويباح الانتفاع بها شرعاً بحسب طبيعتها. فإذا قام الاختصاص بها لشخص ما، وُجدت حقيقة الملك، وما دامت أموالًا فإنها تنتقل – في جانبها المالي – إلى الورثة بعد موت مورثهم؛ لأنها داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم:

«ومن ترك مالًا فلورثته».

أخرجه البخاري (6731)، ومسلم (1619).

وفي رواية: «أو حقًّا»، لكنه مدرج كما قال العلماء.

 

لكن هذه المسألة ليست مطلقة بلا ضوابط، بل لها أحكام وتفصيلات، من أهمها أن يكون المحتوى مباحًا شرعًا. فإذا كانت القناة أو الصفحة تنشر المحرمات، أو الفساد، أو ما يضر بالأخلاق والمجتمع، فلا يجوز للورثة الاستمرار في هذا العمل المحرم؛ لأن المال الناتج عن الحرام لا يكون وسيلة مشروعة للكسب.

وقد نص جمهور الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن المال الحرام الخالص لا يحل للورثة ، ولا ينتقل بموت صاحبه إلى ورثته ؛ فإن الانتقال بالميراث لا يحل الحرام، بل يجب التخلص منه والتخلي عنه، إذ كيف يكون موت الرجل مبيحا للحرام المتقن ؟ كما قال الإمام الغزالي رحمه الله في «الإحياء» (١/١٢٩).

يقول الإمام النووي رحمه الله:

«من ورث مالا ولم يعلم من أين كسبه مورثه: أمن حلال أم من حرام، ولم تكن علامة، فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج قدر الحرام بالاجتهاد».

انتهى من «المجموع» (٩/٣٥١).

ويقول ابن عابدين رحمه الله:

«وهو حرام مطلقاً على الورثة؛ أي سواء علموا أربابه أو لا، فإن علموا أربابه ردوه عليهم، وإلا تصدقوا به».

انتهى من «رد المحتار» (٥/٢٤٧).

وأما عين الحرام المعلوم مستحقه، كالمسروق والمغصوب، فلا يحل له .

انتهى من «منح الجليل شرح مختصر خليل» (٢/٤١٦).

. نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد – رحمه الله – فيمن ورث مالا فيه حرام إن عرف شيئا بعينه: رده اهـ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي الحنبلي (٣٢٢/٨)

وفي ” درر الحكام شرح مجلة الأحكام ” ( 4 / 538 ):لعلي هيدر افندي الحنفي

إذا توفي المرتشي: فلا يملك وارثه الرشوة ، ويلزمه إعادتها إلى الراشي، حتى أنه إذا توفي الرجل الذي كسبه حرام : فيجب على ورثته أن يتحروا أصحاب ذلك المال الحرام ، فيردوه إليهم، وإذا لم يجدوهم : أن يتصدقوا بذلك المال. انتهى

 

كما ينبغي مراعاة العقود والشروط القانونية الخاصة بالمنصات الرقمية ؛ فبعض الشركات قد تضع شروطا تتعلق بنقل الملكية أو إدارة الحساب بعد الوفاة ، فينظر في هذه الشروط بما لا يخالف الشريعة الإسلامية.

ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الأرباح التي تستمر بعد وفاة صاحب الحساب تعتبر جزءًا من التركة، ما دام أصل القناة أو الموقع مملوكا له. فكما أن المتجر أو العقار يستمر في تحقيق الأرباح بعد وفاة مالكه، فكذلك الأصول الرقمية الحديثة .

إن هذا التطور يؤكد شمولية الفقه الإسلامي وقدرته على معالجة القضايا المستجدة في كل زمان ومكان؛ فالفقه ليس جامدا عند الصور القديمة ، بل يبني أحكامه على المقاصد والقواعد العامة التي تحقق العدل وتحفظ الحقوق.

 

ولذلك فإن دراسة النوازل المعاصرة، ومنها قضايا الاقتصاد الرقمي والإرث الإلكتروني، أصبحت ضرورة علمية وفقهية لفهم واقع الناس وتقديم الأحكام الشرعية المناسبة له.

خلاصة الكلام

فإن الحسابات الإلكترونية والقنوات المربحة، إذا كانت مباحة وذات قيمة مالية، فإنها تعد من التركة الشرعية ، وتنتقل إلى الورثة كسائر الأموال والحقوق، مما يدل على مرونة الشريعة الإسلامية واتساعها لمستجدات العصر الحديث ، والله أعلم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى