
الهدف القادم لإسرائيل : تركيا تحت الحصار
الهدف القادم لإسرائيل: تركيا تحت الحصار
كتب حسام الموافي
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط خلال عام 2026، تتصاعد حدة الخطاب السياسي والأمني بين أنقرة وتل أبيب بصورة غير مسبوقة ، لتتحول معها التحذيرات من اتساع رقعة الصراع من مجرد تقديرات تحليلية إلى ما يشبه العقيدة السياسية المعلنة داخل دوائر القرار التركي. وبينما كانت بؤر التوتر محصورة لسنوات في فلسطين ولبنان وسوريا ، باتت تركيا نفسها تطرح في الخطاب التركي الرسمي كطرف محتمل داخل دائرة الاستهداف الاستراتيجي الإسرائيلي .
منذ أواخر عام 2024 ، بدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إطلاق تحذيرات متكررة مفادها أن “العدوان الإسرائيلي الذي بدأ في غزة ولبنان لن يتوقف عند حدودهما”، بل قد يمتد ليضع تركيا لاحقًا في مرمى الاستهداف غير المباشر أو حتى المباشر، في سياق توسع إقليمي تتخوف منه أنقرة على المستويين الأمني والاستراتيجي .
رؤية أنقرة ومخاوف “التمدد الإسرائيلي”
تستند المقاربة التركية في قراءتها للمشهد إلى ما تصفه بـ”الأطماع التوسعية الإسرائيلية”، حيث ترى أن المخططات الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا الفلسطينية، بل تمتد في التصور التركي إلى إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي، بما قد يطال مناطق في شرق المتوسط ومحيط الأناضول ضمن سرديات مرتبطة بمشاريع تاريخية مثيرة للجدل .
وفي هذا السياق، شدد أردوغان في تصريحات حديثة خلال أبريل 2026 على أنه “لا توجد قوة في العالم يمكنها تهديد تركيا أو قيادتها”، معتبرًا أن السياسات الإسرائيلية الحالية تتحرك وفق “أوهام تاريخية” تشكل تهديداً غير مباشر للاستقرار الإقليمي، فيما ذهب وزير الخارجية هاكان فيدان إلى القول إن إسرائيل “لا تستطيع العيش دون عدو”، وإنها بعد استنفاد ساحات الصراع التقليدية تسعى إلى إعادة تعريف تركيا كخصم استراتيجي جديد في المنطقة.
ملامح “الحصار الجيوسياسي”
يرى محللون أن مفهوم “الحصار” الذي تتحدث عنه أنقرة لا يرتبط حصارا عسكرياً مباشرا ، بل هو حصار استراتيجي متعدد الأبعاد، يتجلى في:
تصاعد التنافس في شرق المتوسط حول الطاقة والغاز وترسيم النفوذ البحري
تنامي التحالفات العسكرية بين إسرائيل وعدد من دول الحوض المتوسطي، بما يحد من الدور التركي الإقليمي
إعادة تشكيل خرائط التوازن في شرق أوروبا والبحر الأسود في ظل الحرب الأوكرانية
توتر العلاقات التركية مع الاتحاد الأوروبي بسبب ملفات الهجرة واللاجئين والضغوط الاقتصادية المتبادلة
وفي قراءة تركية أوسع لا تنفصل هذه التوترات عن السياق الدولي الأوسع ، حيث تتقاطع حسابات أنقرة مع روسيا في ملفات متعددة، بعد دعم تركيا لأوكرانيا عبر الطائرات المسيرة ، وما تبعه من توتر في البحر الأسود مقابل شبكة مصالح متشابكة لا تسمح بانفجار مباشر بين الطرفين .
البعد الإقليمي .. سوريا ، الأكراد ، والتوازنات الهشة
على الصعيد الإقليمي، تتزايد مخاوف أنقرة من تمدد النفوذ الإسرائيلي غير المباشر في شمال سوريا والعراق ، عبر دعم مجموعات ترى فيها تركيا تهديداً مباشرا لأمنها القومي، وفي مقدمتها الجماعات الكردية المسلحة. وهو ما تعتبره أنقرة جزءًا من سياسة تطويق استراتيجي متعدد الجبهات.
وفي المقابل، تتهم تركيا تل أبيب بتوسيع حضورها العسكري والاستخباراتي في شرق المتوسط، بالتوازي مع تعزيز علاقاتها الدفاعية مع دول مثل اليونان، في إطار توازنات إقليمية معقدة تعيد إنتاج خطوط الصراع التاريخية بين أنقرة واثينا ، ولكن بأدوات أكثر حداثة وعمقا.
حرب اقتصادية ودبلوماسية صامتة
اقتصادياً فرضت تركيا خلال أبريل 2026 ما وصف بأنه “حصار تجاري ناعم” على بعض الأنشطة المرتبطة بإسرائيل، شمل قيودا على الملاحة والتجارة في بعض الموانئ، وهو ما قوبل بردود فعل دولية اعتبرت ضاغطة على الاقتصاد التركي المتأزم أصلًا
وفي المقابل ، تتهم أنقرة أطرافا دولية وإقليمية بمحاولة استخدام أدوات الاقتصاد والعقوبات والدبلوماسية لتطويق نفوذها ، في وقت تتحول فيه تركيا تدريجيًا من “فاعل إقليمي صاعد” إلى “ملف ضاغط” داخل حسابات الاتحاد الأوروبي ، خاصة في ظل استمرار استخدام ورقة اللاجئين والهجرة كأداة تفاوض سياسي .
سيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات
ورغم أن كثيرًا من مراكز الأبحاث تستبعد سيناريو المواجهة العسكرية المباشرة بين تركيا وإسرائيل، بحكم تعقيد الاصطفافات الدولية وعضوية تركيا في حلف الناتو ، إلا أن بعض التقارير الاستراتيجية بدأت تطرح فرضيات أكثر حساسية ، تتحدث عن “ضربات استباقية محدودة” في حال اعتبرت تل أبيب أن القدرات العسكرية التركية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة ، باتت تمثل تهديداً نوعياً لمعادلات الردع الإقليمي .
في المحصلة يبدو أن العلاقة بين أنقرة وتل أبيب دخلت مرحلة جديدة تتجاوز التوتر الدبلوماسي التقليدي، نحو إعادة تشكيل شاملة لمعادلات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط ، حيث لم تعد خطوط الاشتباك واضحة، بل باتت ممتدة عبر الاقتصاد، والطاقة، والتحالفات ، والحروب غير المباشرة .




