
أيهما أقوى الحب أم المرض الخطير؟ إشراقة نقدية في قصة الرياح التي جملتني إليه للكاتبة الدكتورة “صفية فرجاني”
كتب : الناقد الأدبي.د عادل يوسف
عندي سؤال لو سمحتم موجه لأي شخص فينا وهو:
هل عشت يوما ساعات عصيبة في غرفة الإنعاش مع حبيب لك يصارع الموت؟
هل جربت طويلا الانتظار أمام باب قسم الطوارئ وتحاول مرارا الدخول لترى حبيبا لك ويتم منعك من الدخول بكل صرامة مه أنك تسمع صوته وهو يناديك من الداخل؟
هل تعلم أن المريض في هذه الحالة لا يحتاج إلى الأدوية أو التشخيص بل يحتاج إلى ما هو أكبر من ذلك وهو الحب.
ضع يدك في يدي لندخل هذا العالم الغريب لنرى عجائب ومقادير الله في خلقه مع قصة (الرياح التي حملتني إليه) للكاتبة الدكتورة صفية فرجاني لنري معا :
كيف يكون الخيال أقرب إلى الواقع ؟
كيف أخدتنا الكاتبة برومانسيتها إلى ما هو أبعد من المرض ،إلى آفاق نحلق فيها مع أجمل وأحلى المشاعر، رغم الحدث الجلل ،ورعب المكان ومأساة الموقف؟
كيف نقل هزيز الرياح حبيبته من مدخل إلى مدخل ومن عنبر إلى عنبر حتى اهتدت إلى غرفته ؟
كيف عزفت الرياح سيمفونية الحب داخل غرفة العناية، وهو مغمض العينين ، شاحب النوم ، شبه ميت ، يتنفس ببطء ، وعندما أحس بوجود حبيبته أمام سريره، اهتز وضحك، لكن الكحة بخلت عليه بلحظات من الفرح ؟
كيف همست لها الرياح أن تجلس في آخر العنبر؛ حتى تتمكن من رؤيته أكثر من مرة ؟
كيف أضفت الرياح الطيبة صفاتها على العاشقين ؟
ما اللغة المشتركة المفهومة التي جمعت بين الرياح والحبيبين؟
كل ذلك حدث من خلال براعة الكاتبة في استخدام المونولوج الداخلي وخصوصية التشكيل في هذه القصة ، وقد قام هذا المونولوج بعدة وظائف فنية هامة منها :
1- أنه أسهم في إظهار خصوصية التشكيل للشخصيات، فقد جعلت الكاتبة ( الرياح) هي بطلة القصة وليست الشخصيات كما هو مألوف لدى العديد من الكتاب .
2- ساعد المونولوج الداخلي على استرجاع الماضي ،وهو الثلاث أيام السابقة قبل حجزه في غرفة العناية ، وأظهر لنا كيف تتدهور حالة المريض من مجرد أعراض نزلة برد بسيطة حتى تم نقله إلى غرفة العناية ، فجاءت الصورة حية وصادقة وربطت الماضي بالحاضر.
3- بعث في القصة الحيوية والإثارة من خلال تجول الرياح داخل المستشفى من مدخل إلى مدخل حتى تم الاهتداء إليه.
4- أظهر المونولوج الداخلي براعة الكاتبة في نقل المواقف الدرامية المؤثرة خلال المستشفى حيث عزفت الرياح موسيقى الحب داخل غرفة الإنعاش رغم أنه مغمض العينين ، شاحب اللون ، شبه ميت يتنفس ببطء وعندما أحس بحبيته اهتز وضحك.
ونلمس خصوصية التشكيل الفني أيضا في:
1- العنوان : الرياح التي حملتني إليه .
برعت الكاتبة في اختيار العنوان المثير الجاذب الذي يعبر عن مضمون القصة بعناية ودقة شديدة فالرياح فعلا هي بطلة القصة وليس الشخصيات.
2- تناغم الألفاظ والعبارات في معزوفة جميلة رغم بشاعة الموقف ورهبة المكان عندما قالت ” وجاءني من يهمس لي : لا يكون الحبيب حبيبا حتى يقول كلاهما للآخر : يا أنا ، فقلت : يا أنا .
3-خصوصية الأسلوب الذي تميز بالعذوبة والسلاسة والشاعرية والوصف المكثف.
4-النهاية:
رسمت الكاتبة النهاية ببراعة شديدة فقد أهدت نهاية منطقية للقصة ولكنها في نفس الوقت مفاجئة للقارئ راسخة في ذهنه فالتقى الحبيب بحبيبته وامتزجت مشاعرهما حتى صارا شخصا واحدا.
وأخيرا:
أقول للكاتبة د / صفية فرجاني إن هذه القصة رغم حدثها الجلل ومكانها المرعب إلا أنها باقة ورد طيب شذاها ، مبهج منظرها ، عميقة أفكارها ، خصب خيالها ، أسلوبها مناسب لكل القراء، يجد فيها كل قارئ مر بهذه التجربة المريرة ما يعبر به عن نفسه ومشاعره.
1




