
إشراقة نقدية في المجموعة القصصية (أسرار الشيطان) للكاتب “عبد الرحمن الراوي”
بقلم الناقد الأدبي د/ عادل يوسف
( أسرار الشيطان) مجموعة قصصية تتكون من (14) قصة قصيرة تغوص كلها في الواقع المعيش ، لها طابع بوليسى أحيانا ، وقد انتقاها الكاتب بعناية شديدة.
تناقش هذه المجموعة القصصية عدة قضايا شائكة مثل : تجارة الأعضاء البشرية ، الخطف، التعذيب، الاغتصاب ، التنمر، النصب والاحتيال.
لكن هناك محور واحد يجمع كل قصص المجموعة وهو أفعال البشر الشيطانية والتي تجاوزت حدود الشيطان بمراحل كثيرة، لذلك أطلق عليها عنوان ( أسرار الشيطان)
وقد بينت لنا القصص أن كيد الشيطان مهما علا وارتفع فهو ضعيف ، وزائل وخادع، مهما ازداد وعلا بهرجه وزيفه.
فالذي اغتصب الدكتورة الصيدلانية وخطفها وعذبها، كان مصيرة الموت.
الذي تاجر في الاعضاء البشرية ،تم القبض عليه ، وغيرهم من البشر الذين يفعلون أفعال الشيطان.
لذلك يجب علينا ألا ننخدع ببريق الشيطان الزائف مهما كان قويا فمصيره هو الزوال ويبقى الحق ساطع بنوره.
التحليل النقدي للمجموعة القصصية ( أسرار الشيطان):
أولا :فن اختيار العناوين.
اختار المؤلف عنوانا جامعا لأحداث المجموعة القصصية
( أسرار الشيطان) لدلالة على الأفعال الإجرامية الشيطانية التي تقوم بها بعض شخصيات المجموعة القصصية
جاءت العناوين غير تقليدية ، وفي نفس الوقت معبرة عن مضمون الأحداث مع شيء من الغموض جذب انتباه القارئ مثل :
ثورة حكيم ، الأبيض قناع ، الانتقام سرا ، أسرار الشيطان.
والحقيقة أن كل قصة في المجموعة تحمل قيمة فنية عالية فهي لا تستحق القراءة مرة واحد فقط بل عدة مرات لكي يستكشف القارئ ما بها من رؤى وأفكار جديدة.
ثانيا :الشخصيات في المجموعة القصصية( أسرار الشيطان):
تتميز الشخصيات في هذه المجموعة القصصية بما يلي.
أ- الوصف الدقيق لتفاصيل الشخصية واختيار اسم معبر عن دورها في أحداث القصة.
الكاتب عبد الرحمن الراوي دقيق جدا في وصف الشخصيات بطريقة تجعلك تعيش معها وتتفاعل معها كأنك تستمع إليها ، وكانت هذه الأوصاف ذات علاقة قوية بتأزم الأحداث وتطورها ، ومن أمثلة ذلك : وصف ملامح وأفعال (زينب ) بطلة قصة ( الانتقام سرا) وتسليط الضوء عليها بدءا من اختيار اسم البطلة وهو ( زينب) الذي جاء متناسقا مع دوره في أحداث القصة فهو اسم يحمل معنى : الشجرة ذات الحسن والرائحة الجميلة ، ويدل أيضا على تحمل المسئولية وقوة العزيمة .
يقول عبد الرحمن الراوي :
” كانت زينب ذاهبة إلى كلية الطب ، دخلتها منذ أربع سنين ، شغوفة بالصيدلة ، مغرمة بالقراءة والموسيقى ، والطهي والسباحة ، ليس لها أخوة من الذكور.
لقد أفاض الكاتب في ذكر ملامح وصفات هذه الشخصية تمهيدا للدور الكبير الذي ستقوم به خلال أحداث الرواية فقد تعرضت زينب للخطف والاغتصاب والتعذيب، واستطاعت أن تنتقم بمفردها ممن انتهكوا عرضها وعذبوها.
ب-تنكير اسماء بقية شخصيات المجموعة القصصية ( أسرار الشيطان)
فقد جاءت أسماء بقية المجموعة القصصية ( 13) قصة بدون اسم أو هوية ، ومن أمثلة ذلك : قصة أسرار الشيطان ، يقول الكاتب :
” استغلت طيبة الرجل الغني ، صاحب المحل ، وثقته فيها ، واستغلته ،وطلبت منه مبلغا من كبيرا من المال”
نلاحظ هنا أن الكاتب لم يذكر اسم البطلة.وإنما جاءت بدون اسم أو هوية وربما يرجع ذلك إلى كونها شخصية مهمشة ضائعة، بين سراديب الكون الشاسع، ضئيلة ثقافيا، وماديا، وأخلاقيا ؛ لذلك لا تحمل اسم علم يميزها ويحدد هويتها.
مثال أخر من قصة ( الأبيض قناع)
” هبطت مسرعة من الدور الثاني، طارت بالونتها ، شاهدها بائع الفاكهة ، تنبه إلى الفتاة ، وأخذها هي والبالونة ووضعهما في صندوق السيارة”
نلاحظ هنا تنكير الفتاة الصغيرة وعدم تحديد اسم علم يميزها عن غيرها،
وربما جاء هذا التنكير ليجعل شخصية الطفلة مجردة ومطلقة ورمزية لأي طفلة صغيرة بريئة يتم استدراجها لسرقة أعضائها البشرية.
ثالثا: اللغة والأسلوب في المجموعة القصصية (أسرار الشيطان).
جاءت لغة المجموعة القصصية (أسرار الشيطان) فصحى جميلة ساحرة ، ليس فيها تكلف ، رقيقة المشاعر ، نحت المفردات والجمل بمهارة وشفافية ليس فيها تكلف، ولا زخرفة لفظية ، مما وفر لها السلاسة والانسيابية مثل قوله : ” كان يحس أنه مقيد بسلاسل من حرير في وظيفته”
رابعا :نهايات القصص.
النهاية سر من أسرار النجاح في العمل الأدبي وهي التي تحمل بصمة الكاتب الخاصة ، وكذلك أجابت النهايات عن تساؤلات القراء عن مصير الشخصيات.
وعلى الرغم من أن الكاتب استقى قصصه من الواقع والمواقف الحياتية للشخصيات ،لكن النهايات جاءت غير تقليدية في الكثير مما جعلها تدهش القارئ المتمرس .
وأخيرا :
لا يسعني إلا لأن أشكر القدر الذي أعطاني فرصة ذهبية لقراءة هذه المجموعة القصصية ( أسرار الشيطان)، والتعرف على كاتبها الكاتب عبد الرحمن الراوي، أرجو له مزيدا من التقدم والتألق والازدهار.




