
الحب بين التضحية والخيانة، رؤية فنية.. في قصة (فانتازيا الحب) للكاتبة إيمان العطيفي
كتب : الناقد الأدبي / د.عادل يوسف
بدايةً ، أنا لا أحب الرومانسية ، وقصص الحب المبتذلة وبالأخص من نوع ( أحبك وتحبني) .
ولم أكن أيضا مقتنعا بتصنيف قصة (فانتازيا الحب) ضمن مصطلح الفانتازيا لأني وجدتها واقعية لدى الكثير من الناس.
لكن عندما قرأت هذه القصة أحسست بأنها حملتني على جناح الأثير لتحلق بي في فضاء الحب والتضحية.
شعرت أنها قصة مختلفة تماما عن كل قصص الحب التي قرأتها وقمت بنقدها من قبل، ربما لأن هذه القصة زرعت بداخلي بذور الحب ، وعظمة التضحية ، أو لأنها سكنت في أعماق قلبي.
تؤكد لنا هذه القصة أن التضحية من أجل الحبيب بكل غال ونفيس شيء عظيم ، وتبين لنا أن الحب قد يهب الحياة للحبيب الوفي ويمكن أيضا أن يهب الموت لمن يخون ويتلذذ بخيانته.
أولا: التحليل الموضوعي لقصة (فانتازيا الحب)
تناقش هذه القصة موضوعا في غاية الأهمية وهو الحب بين التضحية والخيانة.ونتيجة الثقة العمياء في الحبيب .
فأحداث هذه القصة تدور حول صديقة خائنة نصبت شباكها حول خطيب صديقتها وأوقعته في حبال حبها ، وقامت بتعليق زينات الخطوبة أمام بيت صديقتها ، وإذاعة أغاني الأفراح بمكبرات الصوت ؛ إمعانا في طعن صديقتها وإعلان الانتصار عليها.
حاولت البطلة أن تقاوم سماع هذه الأغاني والزغاريد التي كانت بمثابة خناجر تمزق كل جزء في جسدها حتى تلاشى جسدها من الوهن .
ثم تتذكر بطلة القصة كيف دخلت بوابة الحب مع حبيبها ، وكيف قررت أن تبذل كل مالها حتى تساعده في تجهيز الفرح .
لم تقتصر التضحية بالمال فقط بل قررت أن تتبرع بكليتها بعد إصابة الحبيب بالفشل الكلوي ليعيش معها وتتقاسم معه الحياة.
وخلال سماع البطلة لأغاني الفرح وانطلاق الزغاريد دخلت حجرتها وهي ذاهلة من هذا الواقع العجيب فوجدت نفسها بلا إرادة تتقمص دور العروسة فترتدي فستان الفرح كأنها هي العروس ، وتضع مساحيق التجميل ، وتلبس خاتم الخطوبة .
الأم تطرق الباب بشدة وتنادي عليها: افتحي الباب يا ابنتي، أنت جديرة بمن هو أفضل من هذا الخائن الوضيع.
لكنها ماتت قهرا وحزنا، واختلط الصراغ بالزغاريد وانتهت الليلة.
كانت الكلية التي أهدتها له قد التأم نسيجها مع جسده سريعا وأخذت تعمل بشكل طبيعي ، ولكن نتيجة خيانته ولؤمه ونذالته مع من وهبت له جزء من حياتها توقفت الكلية عن العمل لتعلن تمردها عليه .
ذهب هذا الخائن للخطيبته وشرح لها حالته الصحية المتدهورة نتيجة توقف الكلية عن العمل وأنه في أشد الحاجة إلى متبرع أخر.
فتذكرت خيانتهما لصديقتها وأن هذا هو عقاب الله له فبعثت له هداياه وبعثت له رسالة ” أن الحب الذي يهب الحياة يمكن أيضا أن يهب الموت”.
ثانيا: التحليل الأسلوبي لقصة (فانتازيا الحب).
لقد عُرفت إيمان العطيفي بقوة الأسلوب وسحر اللغة، فقد استطاعت إيمان العطيفي أن ترسم لوحة حية من العشق والمأساة من خلال كلمات سهلة بسيطة ساحرة لكنها مشحونة بالعواطف الحادة .
استطاعت الكاتبة ببراعة شديدة أن تنقل لنا ما يدور في خُلد البطلة أثناء خطوبة صديقتها لحبيبها تقول إيمان العطيفي:
” كانت الأغنيات الصادرة من مكبرات الصوت تصل إلى فضاء روحها المعتم ، كانت هذه الأصوات أقوى من مقاومتها ، كانت بمثابة الخناجر التي تقطع كل ناحية في جسدها الذي وهن حتى تلاشى.
استخدمت الكاتبة إيمان العطيفي صور فنية وتشبيهات مبتكرة غير مألوفة لدرجة أن القارئ يسير في بحر بلاغتها وسحر قلبها فلا يجد شاطئا إلا في محراب المعاني الرائعة التي استخدمتها إيمان العطيفي.
ومن أمثلة الصور الفنية التي استخدمتها الكاتبة ما يلي:
-إنك لن تمنحيه جزءا من جسدك بل ستمنحيه جزءا من حياتك.
-أرادت أن تقتسم حياتها مع حبيبها .
-كان الحزن يحتويها حتى بدت ذاهله ذابلة داخل حجرتها.
كما استخدمت الكاتبة التشبيهات الجميلة التي ترسخ المعنى في ذهن القارئ مثل :
-أنت نبته صالحة، ولكن هو أرض بور ماؤها مالح.
ثالثا: الحوار والسرد في قصة ( فانتازيا الحب).
لقد كان الحوار والسرد هما سيدا الموقف في بحر هذه القصة ، تلك القصة التي بُنيت على الأحزان والذكريات الأليمة.
حاولت بطلة القصة التجلد والتصبر لكنها عجزت عن تحمل خيانة حبيبها وصديقها .
استطاعت الكاتبة أن توظف الحوار والسرد للتعبير عن مكنونات الشخصية ولنقل ما يدور في عقل الشخصيات مثل :
-افتحي يا ابنتي أنت جديرة بأفضل من هذا الخائن الوضيع.
-اختلط صوت الصراخ بصوت الزغاريد.
ولنتوقف هنا عند هذا الحوار الداخلي الذي جاء في الروعة والجمال:
-من أين تأتي الملائكة؟
-ما سر جحوظ عيونكم ؟ إنه مجرد سؤال.
– أنا لم أسأل عن ماهية الله ، وأين يوجد؟ وكيف جاء؟
– أنا أسأل عن الملائكة من أين تأتي؟
فإن كانت تأتي من النوافذ تركتها مفتوحة.
لقد استطاعت الكاتبة إيمان العطيفي أن تقود عجلة السرد في القصة وتوجهها كيف تشاء، وخاصة أن السرد هو عمود من أعمدة نجاح القصة
ومن نماذج ذلك:
“كانت الكلية التي أهدتها إليه قد التأم نسيجها مع جسده سريعا ، وأخذت تعمل بشكل طبيعي ولكن بعد مرور الشهور رفضت الكلية العمل بداخله.
رابعا: تحليل الشخصيات في قصة ( فانتازيا الحب).
لقد كان لبناء الشخصيات وعمقها النفسي دور بالغ الأهمية وهذا ما يميز شخصيات القصة.
لقد استطاعت الكاتبة أن تغوص في أعماق شخصية البطلة وتستذكر معها ذكرياتها الأليمة ، كما أوردت لنا بعض الشخصيات التي كان لها أثر كبير في مجرى الأحداث لم تستخدم أيه أسماء للشخصيات حتى تجعلها شخصيات مجردة مطلقة منها:
1-بطلة القصة:
فتاة رائعة أحبت وعشقت بصدق نموذج رائع للتضحية بكل غال ونفيس من إنقاذ ما تحب .
تعمقت الكاتبة في التركيبة النفسية لهذه الشخصية حيث أصيبت بمرض هوس الحب هذا الهوس جعلها تدخل حجرتها أثناء خطوبة صديقتها للتقمص شخصية العروس وترتدي فستان الزفاف ، وتلبس الخادم وتنتظر قدوم ملك الموت حتى اختلط صوت الزغاريد بصوت البكاء.
2-الحبيب الخائن:
رجل تجري الخيانة في عروقه مجرى الدم ، فبعد أن ضحت حبيبته بمالها و جزء من جسدها من أجله وهو كليتها، ركب قارب الغدر والخيانة فخطب صديقتها متلذذا بما فعل.
عندما فعل هذا الخداع والغدر جعل حبيبته تفيق من غفوة الثقة العمياء فيه.
3-الجارة الصديقة:
هذه الجارة الصديقة خرجت عن المألوف والوفاء والجيرة ، فسلكت طريق الغدر والخيانة ،وعندما علمت باحتياج خطيبها إلى كلية كي يعيش، تخلت عنه وبعثت له هداياه وشبكته وخافت من عقاب الله.
خامسا : النهاية.
أرادت الكاتبة في نهاية القصة أن تهدئ من روع القارئ تجاه من يقابل التضحية بالخيانة والغدر، فأتت بهذه الخاتمة المأسوية لأبطال القصة الخائنين لكي يتحقق القصاص الإلهي في الدنيا .
واكتملت صورة القصاص حين توقفت كلية الحبيب الخائن عن العمل تلك الكلية التي وهبتها له الحبيبة كي تتقاسم الحياة معه، ونتيجة غدره وخيانته توقفت الكلية عن العمل لتعلن أنها لن تعيش مع الغدر والخيانة.
وصديقتها لم تهنأ بهذه الخطبة فبعد عدة شهور قليلة أصبحت حياة خطيبها مهددة بالموت في أي لحظة فأرسلت له هداياه وشبكته ورسالة تحمل العديد من الدروس وهي:
” الحب الذي يهب الحياة يمكن أيضا أن يهب الموت”
وفي النهاية:
لا يسعني إلا أن أشكر القدر الجميل الذي أعطاني الفرصة الذهبية لقراءة وتحليل قصة ( فانتازيا الحب) التي أعطت للقارئ دروسا قوية في الحب والعلاقات الإنسانية ، وقدمت لنا أسمى معاني التضحية من أجل الحب، فالحب يهب الحياة لمن يستحق الحب وكذلك يهب الموت للخائن الغدار.




