في أوقات الأزمات الكبرى، كثيرًا ما تتراجع الأصوات الثقافية والإعلامية تحت ضغط الواقع، غير أن التاريخ يثبت أن المجتمعات التي تمر بظروف قاسية كثيرًا ما تُنجب أيضًا وجوهًا جديدة تحاول أن تحافظ على حضور الكلمة والصورة وسط الضجيج. وفي السودان، الذي يعيش واحدة من أصعب مراحله في السنوات الأخيرة، ما تزال هناك تجارب إعلامية شابة تحاول أن تشق طريقها رغم كل التعقيدات، ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم الإعلامية السودانية *مروة عثمان*.
تجربة مروة عثمان لا يمكن اختزالها في دور واحد أو مساحة واحدة من العمل، فهي تنتمي إلى جيل من الإعلاميين الشباب الذين اختاروا أن يتعاملوا مع الإعلام باعتباره مجالًا واسعًا يتداخل فيه الأداء الإعلامي مع الإدارة المؤسسية وصناعة المحتوى والظهور الفني. ومن هنا تبدو مسيرتها المهنية أشبه بتجربة متعددة المسارات، تجمع بين الإعلام والدراما والعمل داخل المؤسسات.
في البداية، ارتبط اسم مروة عثمان بالحضور الإعلامي وصناعة المحتوى الذي يلامس المجتمع السوداني وقضاياه اليومية. ومع مرور الوقت، بدأت تجربتها تتوسع لتشمل مجالات مختلفة من العمل الإعلامي، سواء من خلال الظهور في منصات إعلامية مختلفة أو عبر تقديم محتوى حواري يناقش قضايا اجتماعية وثقافية.
ومن بين التجارب التي حملت طابعًا مختلفًا في مسيرتها كان تقديم بودكاست “كنداكة”، وهو مشروع إعلامي حاول أن يخلق مساحة حوارية تتناول قضايا المجتمع وتجارب الناس من زاوية أكثر قربًا وصدقًا. هذا النوع من المحتوى يعكس توجهًا لدى جيل جديد من الإعلاميين الذين يسعون إلى تقديم إعلام أقل رسمية وأكثر اتصالًا بالحياة اليومية.
غير أن تجربة مروة عثمان لا تقف عند حدود الإعلام فقط، بل تمتد أيضًا إلى العمل المؤسسي في مجال الاتصال والعلاقات العامة. فقد تولت في فترة سابقة مسؤولية قسم الإعلام والعلاقات العامة في مستشفى أطباء بورتسودان، وهو موقع يتطلب قدرة على إدارة الرسائل الإعلامية للمؤسسات والتعامل مع الجمهور ووسائل الإعلام في الوقت نفسه.
هذه التجربة منحتها فرصة لفهم جانب مختلف من الإعلام، حيث لا يتعلق الأمر بالظهور أمام الكاميرا فقط، بل بكيفية بناء صورة إعلامية متكاملة لمؤسسة والتعامل مع التحديات الاتصالية التي قد تواجهها. وهو ما أضاف إلى خبرتها المهنية بعدًا عمليًا يتجاوز العمل الإعلامي التقليدي.
ومع انتقالها لاحقًا إلى العمل في منتجع الراكوبة السياحي، حيث تتولى مسؤولية الإعلام والتسويق والمبيعات، أصبحت تجربتها المهنية أكثر تنوعًا. ففي هذا الموقع تعمل على توظيف أدوات الإعلام والاتصال في بناء حضور تسويقي للمشروع السياحي، وهو ما يعكس تداخل الإعلام مع مجالات أخرى مثل التسويق وبناء العلامات المؤسسية.
إلى جانب هذه التجارب المهنية، خاضت مروة عثمان أيضًا تجربة في المجال الدرامي من خلال مشاركتها في العمل التلفزيوني *مسلسل “خط أحمر”*، حيث قدمت شخصية “وفاء”. وقد شكل هذا الدور محطة مهمة في مسيرتها، لأنه نقلها إلى مساحة جديدة من العمل أمام الجمهور.
في هذا المسلسل، ظهرت شخصية “وفاء” كواحدة من الشخصيات التي تحمل بعدًا إنسانيًا داخل سياق درامي يعكس قضايا اجتماعية مختلفة. وقد استطاعت مروة عثمان أن تقدم الدور بأسلوب قريب من الواقع، بعيدًا عن المبالغة أو التصنع، وهو ما جعل الشخصية تبدو طبيعية ومقنعة للمشاهد.
نجاح الشخصية لم يكن فقط في حضورها داخل الأحداث، بل في قدرتها على أن تترك أثرًا لدى المتابعين الذين تفاعلوا مع الدور بشكل ملحوظ. فالأداء الهادئ والمتوازن الذي قدمته مروة عثمان منح شخصية “وفاء” مساحة من القبول لدى الجمهور، خاصة أن الشخصية جاءت معبرة عن جوانب إنسانية يمكن للمشاهد أن يجد نفسه فيها.
كما أتاح العمل الدرامي فرصة لتوسيع دائرة حضورها الجماهيري، حيث إن الدراما غالبًا ما تمنح الفنانين نافذة مختلفة للوصول إلى الجمهور مقارنة بالمنصات الإعلامية التقليدية. ومن هنا يمكن القول إن مشاركتها في “خط أحمر” كانت خطوة مهمة أضافت بعدًا فنيًا إلى تجربتها الإعلامية.
هذا التنوع في التجارب بين الإعلام والدراما والعمل المؤسسي يعكس شخصية مهنية تبحث عن التطور واكتساب الخبرات في أكثر من مجال. فبدل الاكتفاء بدور واحد، اختارت مروة عثمان أن تخوض تجارب متعددة تمنحها فهمًا أوسع لطبيعة العمل الإعلامي وتأثيره في المجتمع.
وفي ظل الظروف التي تمر بها الصحافة والإعلام في السودان، تبدو مثل هذه التجارب مؤشرًا على أن المشهد الإعلامي ما يزال قادرًا على إنتاج وجوه جديدة تسعى إلى الحفاظ على حضور الإعلام والثقافة رغم التحديات. وبين الكاميرا والعمل المؤسسي والتجربة الدرامية، تواصل مروة عثمان بناء مسيرتها المهنية بهدوء وثبات، في رحلة تعكس طموح جيل كامل من الشباب السوداني الذي يحاول أن يكتب قصته وسط واقع معقد لكنه مليء بالأمل.
زر الذهاب إلى الأعلى