
قصة قصيرة”ادم وحواء للكاتب عمرو انور
بقلم : عمرو أنور
بلغ بي اليأس مبلغا !
بهذه الكلمات بدأت “عبير” كالمها معي ..
في البداية حسبت أن حديث زميلتي في العمل سوف ينصب كله علي مشكلة ما تواجه أسرتها
ولم تجد لها حال
, آنسة , متوسطة الجمال , تعليم متوسط , تقطن
“عبير عبد الموجود” سبعة وثالثون عاما
في حي شعبي
انتصبت “عبير” خلف مكتبها فجأة , ربتت براحة يدها علي بطنها ومسحت براحتا يديها علي
أردافها وجذبت ألسفل أسمالها لتغطي عجيزتها ولما عدلت من هيئتها اقتربت من مكتبي ,
وكان يبدو عليها أنها عزمت أمرها علي شيء ما !
ـ محمد
رفعت رأسي قليال ثم نظرت لعينيها وقلت في غير اكتراث
ـ نعم
ـ أريد أن أتحدث معك في أمر ما
سحبت مقعد كان إلي جانب مكتبي وربت عليه وقلت : تفضلي
سأنتظرك في
بادرتني قائلة وكانت تبدو علي وجهها عالمات الجدية : لن يصلح هذا المكان ,
الكافيتريا
توجهت إلي الكافيتريا بعد انتهاء ساعات العمل , فوجدتها جالسة وتبدو علي وجهها عالمات
كدر شديد , رددت عيني في المكان المترامي ولما اطمأننت إلي خلو المكان من أي شائبة ,
جلست في مواجهتها .
ـ خيرا , تسرب القلق إلي نفسي
ـ أنت تعرف أنني أعتبرك أخي األكبر وصديقي في آن ..وأنا أتعرض منذ وقت طويل لمشكلة
ما ولم أصارح بها أحد إلي اآلن ولكني سأصارحك أنت بها
ـ خيرا “عبير”
أريد رجلا؟
انسحبت ابتسامة علي ثغري مصحوبة بتقطيب من جانب الشفاه ثم انتابت سيمائى حالة دهش
مشوب بالبله بعدما تراوحت الظنون السيئة في ذهني وتشكلت وبدت لي تلك الظنون خارجة
عن المعروف عن ” عبير” , هي معروفة بالخلق الرفيع ولم ألحظ عليها ما تلحظه عيون
الرجال ويجعلهم يسيئون الظن بفتاة متوسطة الجمال شارفت علي األربعون عاما دون زواج
وأشرف قطارها علي الوصول إلي نهاية الخط دونما أن يتوقف في منتصف الطريق حامال
معه بشرى طالب زواج ثم حمل ووالدة إلي آخره ولكنه مضي منفردا تاركا أثرا سلبيا عليها ,
وكي أتفادي سوء الظن أجبت بما يخفف من حدة ما عبر بذهني من سوء ظن قلت :
لك كل الحق فأنت لم ترى أسدا في حياتك من قبل ,
ـ أال يعجبك الرجل الذي يجلس أمامك ,
لذلك تجلسين في حضرته وتطلبين اآلن رجال
ابتسامة “عبير” الرقيقة أكدت لي سوء ظني ولكن انحدار تلك العبرة علي خدها جعلني أتوقف
فورا عن استكمال الهذر
ـ أريد رجال .. ليس كما صور لك عقلك المريض
ثم وهي تمسح تلك العبرة التي أضفت مزيدا من الرومانسية علي طلبها , أريد رجال يمثل دور
عريس يطلبني للزواج !
ـ ماذا تعنين ؟ بالضبط ؟
بعد أن صدرت منها تنهيدة قالت : تقدم طالبا الزواج مني منذ حوالي أسبوع رجال تجاوز
, المفاجأة أن أبي رحب به وأعلن موافقته عليه حتي بعد أن أعلنت رفضي
الخمسين عاما
ي ومنها أنه يريد أن يطمئن
صراحة , ولكن منذ ذلك الحين وأبي يمارس ضغوطا شديدة عل
عل قبل أن يرحل عن هذه الدنيا وتارة أخرى بأن العمر يجري وبأنني أشرفت علي األربعين ي
عاما وسيولي قطار الزواج بال رجعة وهذا يعني أنني سأواجه الدنيا فيما تبقي لي من عمر
وحيدة بدون سند .
أنا ال أكذبك القول في أنني أتمني االرتباط والزواج وما يعنيه ذلك من تحقيق حلم الطفولة في
انجاب طفل يكون سندي وإذا ظل الحال علي ما هو عليه فسوف تتشابك األمور
ـ أنا أدرك ذلك ولكن ألست مرتبطة , احدي الزميالت قالت ذلك في جملة عفوية
ـ نعم أنا مرتبطة ولكن من طرف واحد , هو ال يدري أنني متيمة به , وال أحلم بأن يكون هناك
زوجا لي غيره , وفي نفس الوقت ال أستطيع مصارحته ألنه متزوج , أنا مريضة بحبه , وال
تقل لي حاولي أن تنسيه , سأرد عليك أنني حاولت مرارا وتكرارا , حتى أني أراه في أحالمي
وهو يؤنبني علي محاوالتي هذه , هو سعيد بحبي له وأنا سعيدة بهذا الحب لوال هذا الدخيل
الذي تقدم للزواج مني فأصبح عزوال بيننا !
أدركت حقيقة ما تتحدث عنه “عبير” , أحسست بصدق كلماتها وقلت في نفسي يا لحظي
كنت أتمني أن أكون أنا من تحبه , بالتأكيد كنت سأهنأ بها حتي آخر قطرة في العمر
التعيس ,
أفقت مما تراءت لي من صور عن زوجي تلك شعثاء الشعر سليطة اللسان علي رقة “عبير”
وهي تؤكد لي أنها ال تتخيل نفسها زوجا ألخر وبأنها ستنتظره حتى آخر العمر !
ـ ولكن قصة الحب العذري هذه محكوم عليها بالفشل ! فهو ال يدري بمشاعرك الرقيقة نحوه
وبالتالي لن تصدر عنه أي خطوة ايجابية لبلورة هذا الحب في صورة زواج
ـ أنا ال أعلم ماذا سيحدث غدا ولكني لن أفرط في حلم حياتي هذا !
سقطت معاني هذه الكلمات علي أذني الصماء , واعتبرتها مجرد كلمات جوفاء عبرت بها عن
, ولما رأيت النبرة الحادة قليال في التعبير , أدركت أننا لن نتفق في وجهة النظر
حبها له
فقلت : لنتحدث في األمر المهم
أزدردت ريقها وبدت كأنها ستلقي كلمة علي مل ينتظر منها الكثير :
األمر بسيط للغاية .. أريد رجال يمثل دور عريس
ـ كيف يكون األمر بسيطا , كيف أعثر اآلن علي رجل وأتي به إلي بيتكم ليطلب الزواج منك ثم
ينصرف إلي حال سبيله بعد أن يوافق عليه أبيك !
ـ هذا أمر وارد الحدوث وتقريبا يحدث كل يوم مع عشرات الفتيات في سن الزواج , يتقدم
أحدهم طالبا الزواج ثم يختفي وينتهي األمر عند هذه النقطة .. وقبل أن تستفيض قاطعتها
محتدا .. ما تتحدثين عنها حالة تبدو عادية للغاية ولكن استئجار رجال للقيام بهذا الدور أمر
مختلف تماما .
وقبل أن أستفيض في شرح وجهة نظرى , قاطعتني قائلة : أهدأ قليال .. أبي سيعقد مقارنة
فور انصرافه من بيتنا بينه وبين من تقدم سلفا وبالطبع سأغذيك بما سيقوله حتى ترجح كفة
المتقدم , وسأهبه الكثير علي تمثيله هذا الدور ! أي أن وقته الذي سيضيعه في هذا المشوار
سيعود عليه بالفائدة المادية , لن يذهب هباءا , وسأزكيه عندما يطلب أبي الرأي فيه , وفي
وماذا سيفعل بعد هذه الزيارة ؟
سيأتي إلي بيتنا مرة أو مرتين ثم يتبخر في الهواء وأتخلص أنا من كابوس العريس الذي
تجاوز الخمسين عاما هذا بإرادة أبي الكاملة دونما أن أعلن رفضي صراحة له وبالتالي
أصطدم مجددا مع أبي وهذا ما ال أرغبه ..!
تحدثت “عبير” عن المغامرة بغاية البساطة , وحينما أبديت دهشي لغرابة الفكرة , أردت أن
أتعلل بكيفية العثور علي هذا الرجل أو لنقل المغامر .
أبدت “عبير” تعجبها من قلة حيلتي برفع حواجبها في حركة ال تخلو من الدلع فأصبحا
كقوسين منمقين فأظهر ذلك براعتها في كيفية اظهار محاسنها
ي وفي تأفف راقي قالت :
وجهت ناظريها جانبا ثم أعادتهما فالتقيا مع ناظر
ـ أال تعرف أن هناك شهود علي عقد القران والطالق باألجر , بل إن هناك شهودا للزور
باألجر أيضا دائما ما يقتعدون المقاهي إلي جانب محكمة األسرة وهم جاهزون باألجر لكل ما
تطلبه منهم , لماذا ال تستعين بواحد منهم
ـ نعم … نعم .. قلتها بعفوية شديدة
ـ أستأجر واحدا منهم لمدة ليلة , بالتحديد ليلة الخميس القادم
ي فغرت فيهي ورفعت ح دهشا وقلت في شبه صرخة :
اجب
ـ أتعنين بعد غد , مستحيل .. الوقت لن يسعفنا كي أقنع أحد أصدقائى ليقوم بالمهمة , أو حتي
أستأجر أحد ليقوم بهذه المغامرة وما يدريني أن يستمرئ من أستأجره لهذا الغرض أن يأتيني
بعد ذلك ويهددك بأنه سيفضح أمرك أمام أبيك وأمام العائلة وربما يبتزني أنا أيضا عن طريق
تهديدي في مكان عملي .
ترقرقت العبرات في عيون “عبير” وبدا عليها التأثر الشديد وهي تهينم بصوت شقه
االستنجاد
ـ أنا أعرف أن حظى عاثر , أعرفت اآلن أنني لم أكن أبالغ حينما قلت أنني مشرفة علي اليأس
لصقت ظهرى بسناد المقعد في حركة عصبية تؤكد الحيرة التي وجدت نفسى فيها لذا مسحت
ي
براحت صفحتا وجهي كأنما أنفض عن نفسي حيرتها في محاولة لمساعدتها وقلت بنبرة جادة
: بما أنني ساشترك في هذه ـ التي ال يقال عنها سوى أنها مغامرة ـ لن أشترك ككومبارس بل
سأقوم بالدور الرئيسي فيها !
ي ـ في خبث شديد نظرت
إل “عبير” بجانب عينيها لترى تأثري بدموعها التي هوت علي
خديها وسألتني وكأنها لم تستوعب مغزي الكلام:
ماذا تعني ؟
ـ ال معني آخر لهذا الكالم سوى أنني سأقوم بدور طالب الزواج منك أمام أبيك وأفراد أسرتك
اعتدلت “عبير” في مقعدها وابتسمت ومسحت دموعها التي تحولت من دموع يأس وقهر إلي
دموع مصحوبة بإبتسامة رائقة لتعبر بصدق عما تشعر به من سعادة غامرة والمتعة المشوبة
بالرضا وقالت بنبرة من تجدد األمل في نفسه ويعمل بجد علي أال تضيع الفرصة من يده , أو
عليه أن يستغلها قبل أن يراجع بطل الرواية نفسه ويتراجع عن أداء الدور : في بداية لقائك
بأبي ستتحدثون في أمور شكلية دائما ما تفرض نفسها في هذه اللقاءات كي يزول الحرج
عنك كأمور السياسة وغالء األسعار والقطب األوحد في العالم بعد انهيار اإلتحاد السوفيتي إلي
آخره ثم سيبدأ الجزء الثاني من اللقاء : ستطلب من أبي الزواج من كريمته وقالت وهي
تبتسم ـ كريمته التي هي أنا ـ ثم تتحدث بالتفصيل عن البيانات الشخصية لك اإلسم والسن
, هم علي
وعنوان العمل , ولكي يطمئن قلبك سأمهد لك الطريق ببعض المعلومات عنك
العموم يعرفون أنك زميلي في العمل من خالل ما كنت أحكيه عنك .
الجزء الثالث من اللقاء سيتضمن الحديث عن المسائل المادية والتي دائما ما تكون محل
خالف شديد وكثير من الزيجات تنتهي قبل أن تبدأ بسببها .. صمتت برهة كأنما تشحذ ذهنها
وقالت :
ـ الشبكة
ـ ماذا تعنين ؟
لقد وعدتني أن تقف إلي جانبي في محنتي , أرجوك ..
ـ ليس هذا وقت الهذر وإلقاء النكات ,
أنا في مأزق !
ـ عفوا .. ال أعني ما سمعتيه , أعني أن أمر الحديث عن الشبكة سابق ألوانه بزمن
ـ ليس من المفروض أن يشعر أبي بأنك غير جاد أو أقل ماديا ممن تقدم لي قبل ذلك حتى ال
يكون الرفض هو اإلجابة التلقائية لطلبك , ألم أقل لك أنه فور مغادرتك بيتنا ستبدأ المقارنة
بينك وبين من تقدم قبلك , والشبكة هي هديتك لي هذا أمر طبيعي , فال زواج دون شبكة ,
هكذا جرى العُرف , ولكي نتقن ما سنفعل علينا أن نراعي األمور التي سيضعها اآلخرون
نصب أعينهم , حتي ولو كانت تبدو صغيرة في أعيننا , وفي دعابة قالت “عبير” : أنت مقدم
علي الزواج ! أعرف أن المشوار مازال طويال ويحتاج إلي نفس طويل ثم عال صوتها
بالضحك وهي تضع راحة يدها علي ثغرها البسام .
أرجعت حالة اليأس التي زايلت “عبير” وتبدلت لحالة إنتشاء عندما قلت بالتحديد أنني لن
أقوم بدور الكمبارس !
ـ أنا لن أثقل عليك , طقم شبكة ولن أقول أنه عيار 24 أو عيار حتي 21 , سأكتفي بعيار 18
ما رأيك في تواضعي هذا ؟
ابتسامتي كانت أبلغ رد علي كالمها , تبدو “عبير” وكأنها مقبلة فعال علي الزواج , أو أنني
تقدمت بالفعل لها طالبا الزواج منها .
ال شك أن أحساسي بأنني سيئ الحظ في زواجي تضخم بعد لقائى هذا مع “عبير” ولكني قنعت
بنصيبي وحظي العاثر في مسألة الزواج وانتهي األمر عند ذلك ..
تمثل الماضي القريب أمام عيني , لم تكن “عبير” التي تجلس أمامي , بل كانت “إلهام ”
خطيبتي في ذلك الوقت أو كنا في حكم المخطوبين ..
ي أحسست أن الخيال المنقضي يلح
عل ويناديني بكل قوة في أن يكون حاضرا اآلن أمام عيني
مدت “ألهام” يدها وهي تعرض رأيها في كيف سيكون شكل اللقاء مع أبيها وأنا أطلب منه
,
الزواج منها , في دعوة صريحة منها ألن أمسك أناملها وأربت علي يدها في حنو يعكس
رومانسية شديدة في لقاء كهذا .
حسنا فعلت .. وليتني ما فعلت ! ربما كان هذا الحنو الذي أظهرته لمسة يدي هي السبب في
تمسكها بي إلي الحد الذي اوقعني في شر أعمالي .
ال أعرف لماذا أحسست أنني اآلن ُمراقب من ” عبير” , بالتأكيد كل خلجة في وجهي تعني لها
ما هذا الذي يتردد في
شيئا , هن يعرفن جيدا كيف يفسرن أي حركة تصدر في لقاء كهذا ,
نفسي , هو مجرد دور شجاع سأقوم به ـ هي خدمة ـ أؤديها لزميلة عزيزة علي قلبي , هي
في محنة وأنا لم أتعود علي التخلي عمن يطلب مساعدتي , وهي طلبتها .
يبدو وأن “عبير ” قررت بعدما وجدتني ساكن الطرف أن تطرق الحديد وهو ساخن :
ـ ستقول أننا سنعيش في شقة عائلتك التي لم يتبقي منها أحد علي قيد الحياة غيرك ! لك طول
العمر
ـ وكيف وصلتك هذه المعلومة ؟
ـ أال تعرف أنك مراقب يا رجل , ذكرت في معرض حديث لك أنك آخر من تبقي من العائلة التي
نزح معظمها إلي أماكن أخري غير معلومة لك .
عندما جاء ذكر شقة العائلة علي لسان “عبير” تذكرت علي الفور الما ضي القريب حينما
تقدمت طالبا الزواج من ـ إلهام ـ وفي بروفة الجلسة التي عقدناها أنا وهي قبل لقائي بأبيها ,
قلت : شقة األسرة هي التي سنتزوج بها , ثالث حجرات كبيرة وصالة , نذهب في أي وقت
ترغبين في رؤيتها .
ـ في أحد األحياء الشعبية صمت برهة ثم قلت : ـ بين السرايات ـ
ـ ولكن هذه منطقة شعبية للغاية
ـ نتزوج بها ثم سأبحث عن فرصة عمل في الخارج وأنت تعرفين الباقي
ـ كلكم تقولون ذلك وبمجرد أن تتزوجون يحل عليكم التعب واإلجهاد وتشعرون أنكم حققتم
الهدف ويتالشي الطموح ونعيش سويا في كدر أزلي , أنا أعرف أن أمي لن توافق علي أن
أبدأ حياتي الزوجية في شقة األسرة في هذا الحي الشعبي , أنا لست أقل من بنات خاالتي .
ـ أتعنين أنني البد أن أبحث عن سكن آخر
ـ هذا أمر طبيعي , إذا أنت قبلت الحياة في هذه الشقة فأنا ال أقبلها
ـ معني ذلك أن أستهلك سنوات أخري من حياتي في كد وتعب ألوفر شقة الزوجية , ثم تضيع
سنوات أخرى لتوفير مستلزمات الزواج من مهر وشبكة وتأثيث شقة الزوجية ألخ ..ألخ
ـ واضح جدا أننا لن نتفق فيما هو قادم , أنت تتعلل من البداية بضيق ذات اليد , وفي إمكانك
أن توفر لنا المكان المناسب ألوالدنا ولكنك ترفض التضحية بمجهودك , أنهت “إلهام” كالمها
بعصبية شديدة وقالت في حدة وهي تضع يدها علي حقيبتها وقالت :
ـ أريد أن أعود إلي المنزل
ـ لم نمضي الوقت الكافي , دعينا نفكر في هدوء , كل مشكلة في هذه الدنيا لها حل , علينا
فقط أن نفكر في حل لها .
ـ إال هذه .. موقع شقة الزوجية من أهم متطلباتي , أريد أن ينشأ أوالدي في مكان راق
تالشت صور الماضي من أمام عيناي وكأن الحاضر جاء يطلب علي عجل الظهور أمام عيناي
ـ هيه .. إلي أين ذهبت ؟ أشعر أنك كنت حاضرا معي بجسدك فقط أما ذهنك فقد رحل بعيدا جدا
ـ اعتدلت في مقعدي نافيا أن أكون غبت عن مجلسنا هذا ولو للحظات .
ـ لن أكمل حوارى معك إال إن صارحتني فيما كنت تفكر ؟
تجاهلت سؤالها وأنا أنظر في عينيها وبين حين وآخر أسترق النظر في أرجاء المكان
ـ أكملي حديثك
, وأنا أفضل أن يكون
ـ ننتقل بعد ذلك إلي حديثك مع أبي إلي مسألة شراء أثاث شقتنا
, أما ما ستشتريه أنت فلن
مناصفة بيننا , وستوقع علي قائمة األثاث التي اشتراها أبي فقط
نضمه في قائمة األثاث , الحظ هنا أن هناك عائالت يضمون كل صغيرة وكبيرة في قائمة
ما اشتراه والد العروس وما اشتراه الزوج حتي الشبكةالتي اشتراها بحر ماله ..
األثاث ,
رددت في صوت كالحفيف : هذا ظلم , كيف يقبلون علي أنفسهم أن يحتالوا علي العريس
ليستولوا علي ما ليس لهم بدعوى تأمين مستقبل ابنتهم وحمايتها من غدره
ي في الظهور وكأني أراها متجسدة أمامي ..
عادت صور الماضي تلح عل
أن هناك زائر سيأتي الليلة ؟
ي في
وبما أن بيتهم بهذا التواضع وهذا في حد ذاته ليس عيبا , إذن لماذا تثقل “الهام” عل
طلباتها ؟
أشياء كثيرة جذبتني إليها بقوة ومن بينها طموحها الشديد لحياة أفضل ! أنا ال أريد أن أسدد
ثمن هذا الطموح الجامح من تهالك شبكة أعصابي وهدوء نفسي , بالتأكيد سيصحب هذا
الطموح عزيمة قوية لبلوغ الهدف ومن المفترض أن أقوم أنا علي تلبية ما سيطلب مني وإال
.. ومن المحتمل أن أكون أنا واستقرار حياتنا الزوجية كبش الفداء جلست في غرفة الضيوف
في بيت”الهام ” أردد بصري علي استحياء بين جنبات الغرفة , أثاثها متواضع للغاية وكأنهم
لم يستبدلوه منذ زواج أبيها من أمها , بالتأكيد مضي عليه أكثر من ثالثين عاما وهو في
نفس المكان , وواضح أن محاوالت تجديده كانت متواضعة للغاية , إذا أن اآلثار التي جاد بها
الزمن من تآكل في أطراف أرجل المقاعد واضحة لكل ذي عينين وهذا المفرش الذي كان
الهدف من وضعه علي المنضدة التي تتوسط المقاعد إخفاء شرخا في الزجاج , وأما المرآة
التي تزين الحائط بإطارها الذهبي فقد عالها التراب ولم يسترعي انتباه أحد ألن ينفض عنها
هذا التراب , وتلك الثريا الموضوعة علي خوان إلي جانب الباب ال تصلح سوي أن تكون من
اآلثا ر وعن هذه السجادة حدث وال حرج.. ألم يرقي إلي علمهم لهذا الطموح الجامح !
مالذي تقوله وما هذه النظرة النقدية التي توجهها لكل شيء حولك أال تمثل “الهام ” كل شيء
لك .. نعم كانت هذه هي اإلجابة التي رددتها في نفسي وأنا مطبق الشفتين .
ـ إلي متي ستجلس أمامي وأنت في وادي آخر , أنا أتحدث إليك وأنت زائغ البصروتبدو
مهموما : هل تشعر بالندم ألنك وافقت علي أن تقوم بدور العريس أمام أبي ؟ إن كنت تبغي
التراجع وال تريد أن تتصدر المشهد فما زالت الفرصة أمامك , وإن عقدت العزم فاهلل
المستعان
تحركت شفتاي بتردد وقلت .. نعم .. وأحسبني قلتها رغما عني ..! فالتجربة القاسية التي أمر
بها في زواجي من “الهام” أضفت سحابة سوداء علي نفسي , وتداعيات آثارها ستستمر
طويال .
ـ هل الحديث عن قائمة منقوالت شقة الزوجية ضرورى اآلن , أليس الدخول في تفاصيل كهذه
يهدد بفشل المشروع إن لم يتفق الطرفان ؟
ـ ألم نتفق أنه يجب أن يبدو األمر طبيعيا أمام أبي حتي ال ندع له فرصة للرفض
فركت كفي وابتسامتي ال تغادر ثغري
ـ نعم .. نعم .. لك كل الحق
ـ نأتي بعد هذا لما ستقوله عن المؤخر
ـ أنا ال أري أي ضرورة للحديث عن المؤخر اآلن
تجاهلت سؤالي وتكلمت في سرعة كأنها أعدت ردها سلفا :
ـ ستقول لك ما ستطلبه يا عمي .. وأن تُظهر الجزء الثاني من النبر في كلمة ع.. مي.. أرجوك
فكلمة عمي هذه
دع كلمة أفندم هذه جانبا عندما أسمعها منك أشعر أننا في ساحة حرب ,
تشعر من يسمعها منك أنك لست ببعيد عنه ال في المسافة وال في مشاعرك الجياشة
ـ تمام
ـ وهذه الكلمة أيضا دعك منها فأنت لست في طابور الصباح أستبدلها ….بنعم
ماهذه التعليمات المتواصلة , أنت تشعرينني أن الموضوع جاد للغاية وأنني مقدم فعال علي
الزواج منك أوكأنني طفلك وأستعد لدخول أختبار نهاية العام وأنت تلقينني ماذا سأكتب في
ورقة اإلجابة , كالنا يدرك أن هذا الموضوع ليس إال هذرا إلنقاذك من موقف ما
وضعت “عبير” طرف سبابتها بين شفتيها ووجهت عينيها ألعلي وقالت : البد أن تدرك أن
حتى الموضوعت الهذر والتي تصنف علي أنها فكاهة يجب أن تؤخذ بغاية الجد لتأتي بنتيجة
جيدة , ال مجال للخطئ في هذه الموضوع .. أرجوك … اتفقنا .. قالتها وهي تمد راحة يدها
ألصافحها … هيا بنا يجب أن نغادر المكان فأمامي أعمال كثيرة قبل أن تأتي ثم ابتسمت في
رقة شديدة وقالت أنتظر عريس في السابعة مساء بعد غد الخميس .. ورسمت ابتسامة
رقراقة علي ثغرها .
عدت أدراجي إلي بيتي وتتنازعني المراجحة بين فكرتين مصارحة زوجي أو التكتم الشديد
علي ما سأقوم به وأخيرا استقر األمر علي أن أتكتم علي هذا األمر , فال حاجة بي اآلن ألفتح
علي نفسي ساحة حرب أخرى , فالعالقة بيني وبين زوجي متوترة للغاية بلغ من توترها أنها
هددتني بأنها ستستحضر عمال لنقل العفش إلي شقة أبيها إلي أن تصلها ورقة الطالق ,
ليست هذه هي المرة األولي التي تطلب فيها “الهام” الطالق وتصر عليه ثم تتراجع , بالتأكيد
ستتراجع هذه المرة كسابقاتها وإن صارحتها بما سأقوم به سيزيد هذا األمر من حالة االحتقان
وسيقضي علي البقية الباقية من أمل في العودة لحياة زوجية , نحن في خصام ممتد منذ فترة
فمنذ أن تزوجنا قبل عامين ونحن تقريبا صائمون عن الكالم
.. ولكن متي لم نكن في خصام ,
وفي خصام شبه دائم , حتى يئست من صالح أحوالها !
وفي يوم األربعاء طلبت الحصول علي إجازة يوم الخميس حتى أكون متفرغا للعمل الخيرى
فتحت خزانة
الذي أعتزم القيام به وفي يوم الخميس قبل عدة ساعات من اللقاء المرتقب ,
المالبس ونظرت بإعجاب لبدلة فرحي التي لم أرتديها منذ انتهاء حفل زواجي من “الهام” ,
وقفت أمام المرآة أشاهد نفسي وأنا أرتدي حلتي وأنا أسترق النظر لنفسي في المرآة كلما
ارتدية قطعة من طاقم البدلة الجميل ,
حمدت هللا أنني استطعت الحفاظ علي قوامي خالل الفترة الماضية ولم يترهل جسدي كما
يحدث في العادة لحديثي الزواج وأكملت ارتداء حلتي , وبينما أنا جالس علي فراشي أستعد
ي وهي تتحدث في الموبايل
إلرتداء جوربي إذا صوتها يرنوإل
ـ ال أريد أن يتهشم شيئ من األثاث وأنتم تنقلونه
ي وهي باسمة !
خرجت من الغرفة فوجدتها تنهي المكالمة ثم تلتفت إل
سألتها وصدرى يعلو ويهبط من أثر المفاجأة التي نزلت علي رأسي كالمطرقة : من هؤالء
الذين كنت تتحدثين معهم ؟ استدارت بجزعها قليال ووجهت بصرها خارج الشرفة وردت : كما
, سننقل األثاث اآلن !
سمعت
ألجمتني المفاجأة غير أنني تداركت األمر والتزمت الهدوء وسألتها أين قائمة األثاث التي
وقعت عليها ؟
مدت يدها في حقيبتها وأخرجت الورقة , بينما أنا أمد يدي ألتناولها منها تراجعت للوراء قليلا
وقالت : لن تأخذها حتي نخلي الشقة من الاثاث
ـ متي ؟
ـ هم علي وصول وسيأتي معهم أبي وأخي
كانت “الهام” تعتقد أنني سأرفض طلبها , وأنني سأتمسك بالحصول علي الوثيقة قبل أن
يحدث شيء مما تدعونني إليه , ولكن حينما وجدت ردا مهذبا مني لم تتوقعه آثرت السالمة
أو هكذا بدا لي !
لقد نفذت “الهام” تهديدها لي هذا الصباح وكنت أحسب كالمها لن يعدو سوى تهديد فارغ من
المضمون
, سأترك البيت وأنصرف
شيء ما بداخلي دفعني ألن أسلم بالمكتوب لذا قلت أفعلي ما بدا لك
إلي حال سبيلي علي أن أعود وتكونون قد انتهيتم مما عزمتم عليه .
هناك أمر غريب آخر أحسست به وهو أن ما يُحاك أمامي ما هي إال مسرحية هزلية يشترك
فيها باألدوار الرئيسية ـ هي وأبيها وأخيها ـ أما معارفهم الذين سيأتون الحقا ـ حسبما قالت ـ
فلن يقوموا سوى باألدوار الثانوية التي تنحصر في الجوقة التي تقف وراء المطرب , إن طلب
منهم رفع الصوت فعليهم تلبية طلبه هذا , وإن طلب منهم التزام الصمت ليرفع هو صوته
الصداح بالغناء سيفعلوا , وإن أمرهم بخفض أصواتهم سيكون له ما أراد , وإن طلب منهم
الوقوف فقط بال دور مؤثر علي خشبة المسرح لعمل مشهد يكمل به تابلوه راقص علي خشبة
لقد تدربوا علي هذا مرارا وتكرارا في البروفات النهائية , فدورهم
المسرح كان له ما أراد ,
الذي تمرنوا علي أدائه مرهون بإشارة من المطرب .
دلفت لحجرة نومي وهي تتبعني , وهي ال تدرك أنني رأيتها في مرآة الحائط الجانبية ذات
اإلطار الذهبي بينما أنا أعبر من أمامها متجها لغرفة النوم , رأيت عينيها ضاحكتين .
فأدركت لحظتها أن مبعث ابتسام عينيها سببه احساسها أنها استطاعت تصدير التوتر إلي
نفسي وتكون هي بذلك انتصرت لنفسها !
ـ ماذا تفعل ؟
ـ أكمل ارتداء مالبسي , لدي مشوار غاية في األهمية يجب إنجازه
يبدو وأنني رددت هذه العبارة بنبرة مستخذية قليال , فحسبتها تراجعا منى واستسالما فجعلت
تطرق الحديد وهو ساخن مجددا
ـ أنا ال أتحدث عن هذا , أنا أعني متعلقاتك
ـ ضعيها في صندوق كبير داخل الغرفة
األمر المدهش أن النبرة التي كانت تتحدث بها كانت خالية من التهديد جعلتني أسترجع في
ي حينما عدت من العمل قبل الموعد المعتاد لعودتي اإلسبوع الماضي , حيث
عجالة ما ران إل
لم تفطن “الهام” لسماع صوت صفقة الباب كانت تتحدث في موبايلها ألحدي صديقاتها ومن
بين ما قالت : إ لي متي يعتبرني قطعة من األثاث الجامد , فهو ال يتحدث معي علي األطالق
منذ شجارنا األخير .. حوالي شهر , ومنذ ذلك التاريخ وهو يستيقظ في الصباح الباكر ويذهب
إلي عمله ويأتي بعد منتصف الليل ثم يتوجه إلي غرفة الصالون يبيت ليلته ثم يستيقظ باكرا
وهكذا دواليك وحتى في يوم إجازته يخرج من الصباح وال يعود إال مساءا , لم أعد أحتمل هذا
التجاهل , أري في عينيه ال مباالة وعدم اهتمام حتي بانهيار زواجنا , لذا سأنتقل إلي الخطة
البديلة : سأفجر الموقف , إن تراجع عن موقفه هذا وآثر السالمة سأؤثر أنا السالمة وإن لم
يتراجع وظل علي موقف ه .. صمتت قليال ثم قالت : سأنهي المكالمة اآلن يبدو أنه عاد مبكرا
علي غير العادة .
حسنا أنا اآلن علي أهبة
ليتها لم تفطن لعودتي كنت أتمني أن أسمع الجزء األخير من خطتها ,
اإلستعداد لمواجهة الموقف التالى في إطار خطتها الجهنمية .
إذن هي تتبع خطة واضحة المعالم موضوعة ومجربة من قبل من أحدي صديقاتها وهي تسير
علي نفس المنوال ..
ولكن ما العمل اآلن ؟ والد “عبير” ينتظرني , هذا الموعد في غاية األهمية إن تأخرت
ستتهمني ” عبير” بعدم الجدية وبأنني لم أكن جديرا بثقتها وكان األفضل لها أن تستعين
,
بغيرى يجيد أداء هذا الدور , ألنه دور في غاية البساطة ال يحتاج إال إلي خيال واسع فقط
وإن طلبت إلغاء الموعد فسيعني األمر لوالدها أنني غير جاد وبالتالي سيرفض استقبالي بعد
ذلك وإن وافق تحت إلحاح “عبير” فستكون موافقته علي مضض وسيكون رفضه لي هو
الجواب النهائى لطلبي !
لم يكن في حسباني أن األدوار قد تتغير وتتبدل بهذه السرعة ..
أنا في بيتي اآلن مع زوجي “الهام” أقوم بدور ثانوي أو لنقل ليس لي دور , وتؤدي هي اآلن
الدور الرئيسي دور البطل ولكن في بيت “عبير ” سأؤدي أنا دور البطل فالكل في انتظار
ظهورى علي خشبة المسرح ـ غرفة الضيوف ـ لم يكن يخطر علي بالي وأنا أعتبر نفسي
ممثال فاشال , أن أؤدي دورين متباينين في نفس الليلة علي خشبتي مسرح مختلفتين , وهذا
األمر ال يتعرض له الكثير , المهم ليس أداء األدوار التي قبلت عن رضا أداءها بل البراعة في
أدائها !
وانا ال أنكر أنني لم أستسيغ أداء األدوار الثانوية أو الصامت ة بل أتطلع دوما ألداء دور
البطولة لذا كان قراري أن أترك المكان علي الفور .
جلست علي الفراش أستعد إلرتداء جوربي ومن ثم حذائى
علي ما يبدو أن “الهام ” شعرت أنني جاد في مسألة انصرافي من البيت في هذا التوقيت رغم
تهديدها بنقل محتويات الشقة لذا سألت في حدة وبلهجة عدائية
ـ إلي أين أنت ذاهب ؟
ـ في نبرة ملؤها التأفف قلت : مشوار مهم
ـ أتعني أنك ستغادر المنزل في هذه الظروف
ـ أية ظروف , أنت مصممة علي المضي قدما في وضع نهاية لزواجنا
ـ أريد أن أعرف إلي أين أنت ذاهب ؟
ـ ذاهب إلي مكان ألعب فيه دور البطولة !
لم تجد “الهام” بد علي ما ترائ لها من بقائى في البيت فتحول تهديدها ووعيده إلي درجة
أعلي بعدما أيقنت أني أدرك حقيقة فراغ وعيدها لي فأمسكت بموبايلها واتصلت بشقيقها
وقالت : أترك كل شيء أريدك اآلن في البيت ومعك عدد من العمال ـ ولكي تضفي مصداقية
علي حديثها قالت في نهاية المكالمة ـ كما اتفقنا سلفا ـ
ال أنكر أن الجملة األخيرة أشعرتني أن هناك حديث ما جرى بينها وبين شقيقها , عرضت
عليه بشكل أو بآخر حالتنا أو لنقل ما يعتري حياتنا الزوجية من برود وال مباالة وملل فأشار
عليها بتصعيد الحالة لكسر هذا الملل
وعلي هذا فهمت هي من كالمه أن تصعيد الموقف ال يتأتي إال بالتهديد بهدم المكان علي كل
الرؤوس وأول خطوة في هذا التصعيد هو نقل األثاث إلي مكان أمين بعيدا عن مسكن الزوجية
ثم تأتي الخطوة التالية في حرب التصعيد برفع دعوى تبديد األثاث ثم .. ثم ..
وربما يعلن الزوج استسالمه عقب أي خطوة من هذه الخطوات الممتدة زمنا , وساعتها يدرك
كل طرف من األطراف قوة اآلخر ويبدأ عهد جديد من الحياة الزوجية أو يستمر كل طرف في
عناده وتكبره وهنا تتكفل المحاكم بإنهاء الخالف الذي يؤدي إلي الخسارة الفادحة لكل طرف
وال أعني خسارة مادية فقط بل نفسية وعصبية ..
اكتشفت حقيقة المكالمة التلفونية األخيرة التي أجرتها قبل لحظات حينما نسيت موبايلها سهوا
علي الخوان إلي جانب باب الشقة وذهبت إلي غرفة النوم لتطمأن علي حليها في خزانة
ما دعاني ألن أتأكد من صدق المكالمة , الشغف يكاد يقتلني
المالبس كما تتركها دائما ,
ألتأكد مما يُحاك من حولي ربما أضطر إلي تغيير خطتي أنا الآخر
ى اقتربت في حذر وأنا أوجه
ناظر إلي باب غرفة النوم وأمسكت بموبايلها وداعبت األزرار
واستدعيت سجل المكالمات , فلم أجد رقم موبايل شقيقها !
رفت ابتسامة كشف المستور علي شفتاي وتأكدت أن خطتها في التصعيد لن تعدو كلمات
جوفاء فمضيت في خطتي التي سأؤدي فيها دور البطل األسطورى !
تذكرت علي الفور موعدي الهام , نظرت إلي ساعتي .. لم تتبقي إال ساعتان علي اللقاء بوالد
“عبير” .
فتحت باب الشقة ووجهت حنجرتي صوب غرفة نومي وما دعاني لذلك ليس محاولة صلح
فقلت في نفسي
مني وإنما ألنني تأكدت من أن تهديدها لي بنقل األثاث ما هو إال كالم أجوف ,
طالما هي لم تلجأ إليه , فلداعبها كما
ال داعي ألن أكون أنا السبب في تصعيد الموقف ,
تداعبني لذا قلت بنبرة المنتصر والذي كشف خطة العدو :
ـ لن أتأخر الليلة سنتعشي سويا وسأحضر معي أصنافا من األكل تحبينها
أغلقت الباب خلفي في هدوء وشققت الطريق إلي بيت “عبير”
عرجت علي محل حلويات شهير وأنا في طريقي إليها ووصلت في الموعد المتفق عليه في
الحي الشعبي وضغطت علي زر الجرس فأصدر نغمته السعيدة , وما هي إال ثوان حتي طرقت
أذني خطوات متتابعة تقترب من الباب .
تح
ف الباب علي مصراعيه .. ُ
وجدتها تقف أمامي في أبهي وأجمل صورة وابتسامتها الرقيقة ال تغادر شفتيها وهي تفتح
ذراعيها في استقبال حافل فبدت كأنها تتهيأ إلحتضاني , يا لهذا اإلستقبال الذي يزيل كل
أسباب الكدر والمشقة التي أعانيها في الطريق طوال اليوم وفي العمل طوال النهار .
آه لو استقبلتني زوجي “الهام” هذا االستقبال يوما ما إلمتدت سعادتي ولما فكرت لحظة في
غيرها ..
تداركت “عبير” األمر بسرعة بعد هذه الحفاوة التي تعمدت أن تظهرها لي ومدت يدها
بالمصافحة .. حقا لقد اختلف كل شيء فيها حتى لمسة يدها أشعرتني برقتها .
قادتني إلي غرفة الضيوف .. وضعت ما بيدي علي منضدة صغيرة تتوسط الغرفة
إلي اآلن لم أجد إجابة شافية علي الحالة التي تلبستني من الوهلة التي وطأت فيها قدمي
غرفة الضيوف , هي مزيج من النشوة والسعادة كأني مقبل علي الزواج بالفعل من فتاة
أحالمي ؟
الغريب أنني كنت أشعر أيضا بمزيج من الرهبة من الموقف رغم أنها ليست المرة األولي التي
أتقدم فيها للزواج أما الخوف فقد تسرب لنفسي مخافة أال يُجاب طلبي ! ولكن لماذا كل هذه
المشاعر المتضاربة رغم أنه لم يئن بعد الدور الذي سأؤديه والذي سيبدأ بالتحديد لحظة أن
يدلف والد “عبير” للغرفة , يجب أن أتقن لعب هذا الدور لكي أحظي بتصفيق الجمهور ـ عبير
ـ غدا بعد أن نلتقي في كافيتريا المؤسسة وأسألها عن رأيها ..
ولكن ما هذه اللهفة التي تدفعني ألعرف رأيها فيما قمت به من عمل جليل أساعدها به علي
تخطي عقبة تقف عثرة في طريق سعادتها , ولكن إلي متي تنتظر أن يستفيق حبيبها الذي ال
يبادلها مشاعرها الرقيقة من سباته ؟ ويلمس حقيقة مشاعرها نحوه , فإذا أفترضت أن
مشاعرها نحوه ال تشغل تفكيره أو أن حبها له ليس في حيز نشاطه العاطفي .. تبا لهذا الغافل
, قضي علي أسباب سعادته ألنه لم يفطن لمن شغفت به حبا .
فأنا ال أفهم حقيقة الحب من طرف واحد ,
أكاد أجزم أن حبها له محكوما عليه بالفشل ,
بالتأكيد هي حالة مرضية تصيب بعضنا , حيث يتمازج الواقع بالخيال في ألفة غير محببة ألن
ذلك كما أراه ـ أنا ـ نوع من المخدر الذي تتعاطاه النفس فيكبل طموحها فال تنعم بشفافيتها في
هذا الوجود الجامد , أو هو نوع من الرومانسية الشديدة وربما هو نوع من هروب النفس من
واقع هي ترفضه ولكني لم ألحظ علي “عبير” أي شيء من هذه األعراض التي يعتبرها
البعض صفاء النفس وأعتبرها أنا صورة مرضية لنفس مصابة بالشفافية .
ـ أبي لن يتأخر فهو يكمل ارتداء مالبسه
لم تغادر شفتاي االبتسامة , وحينما الحظ ت “عبير ارتباكي بعض الشيء أرادت أن تزيل عني
هذا الحرج فألفت المداعبة الزكية فسألتني وهي تبتسم وتميل بجزعها للمام قليال وتوجه
ناظريها نحو الباب : هل ذاكرت جيدا ما اتفقنا عليه ؟
أومأت برأسي ولم تفارقني ابتسامتي وقلت : ذاكرته جيدا ولكن ساعة االمتحان يكرم المرء أو
ي أ ُ يهان , واألمر المدهش أنني ال أتذكر شيئا اآلن مما ملي
عل ! حسبت “عبير” أنني أماجنها
وأداعبها بينما أنا كنت أصدقها القول في وصفي لتلك اللحظة
عدت أردد في نفسي قائال : ولكن مالذي دفعني حقا ألوافق علي أداء هذا الدور , علي حد
علمي لم أسمع أن أحدا قام بهذا الفعل فيما مضي , هناك من ضحي بنفسه لقاء نظرة من
حبيبته والتاريخ يحدثنا عن مئات اآللف وربما ماليين من قصص الحب التي تثير العجب في
النفس , وهناك من ضحي بالعرش حينما ُخير بين العرش وبين حبيبته وهناك عنتر وعبلة
وقيس وليل , وروميو وجولييت وغيرهم كثيرون , ولكن لماذا تتوارد تلك األمثلة علي ذهني
اآلن فهي بعيدة كل البعد عن الحالة التي التبسها أوقل تتلبسني الان .
استمرت حالة التوهان والسرح التي هيمنت علي كياني فأصبحت ال أري إال ما يمدني به
عقلي في عجالة و” عبير” تردد نظرها بيني وبين باب غرفة الصالون في دهش , يبدو أن
حالة الدهش التي أعترتني أصابتها هي اآلخرى فانعكست علي صفحة وجهها .
أفقنا من حالتنا الطارئة علي صوت خطوات متتابعة تقترب من باب الغرفة , فإذا بها تستأذنني
في البقاء خارجا إلي أن أنهي حديثي مع أبيها ..
تمهل أبيها في الظهور إلي أن شقت طريقها للخارج , ثم دلف للغرفة وعلي وجهه ابتسامة
هادئة وصافحني بترحاب جميل لينفض عني عبء حرج الموقف , وجلس قبالتي وإمعانا في
إضفاء جو من الود علي اللقاء بدأ الحديث كما هو متعارف عن الموجة الحارة التي تضرب
البالد حاليا ثم تطرق الحديث إلي عالم السياسة الزاخر باألالعيب ثم صمت برهة بعدما وجه
ناظريه لباب الغرفة ! فبدا وكأنه تلقي تعليمات صارمة بالتوقف عن الكالم فورا ليتيح لي أن
أحقق الهدف الذي جئت من أجله , فبتر صمته الفجائى الموضوع الذي كان يتحدث فيه وكان
علي ما أتذكر عن الصراعات الناشبة في العالم من أقصاه إلي أقصاه .
كانت والدة “عب ير” تقف خارج الغرفة خافية عن المقعد الذي أشارت لي “عبير” بالجلوس
عليه ويبدو أن هذه تعليمات والدتها , حتي تستطيع أن تتنصت للحوار الدائر داخل الغرفة
, والسيدة “رقية حامد” ابنة الحسب والنسب
وتدير دفته من الخارج كلما دعت الحاجة لذلك
من أصل شركسي , بيضاء البشرة , جميلة المحيا , لم تكمل تعليمها وأكتفي والدها بالمرحلة
األساسية ثم التزمت البيت إلي أن تزوجت من والد “عبير” .
ورغم أني لم أتوسمها حتي اآلن إال أنني علي قناعة أن “عبير” صورة مصغرة منها ..
أرخي الرجل رأسه في خضوع مهيب حتى كادت ذقنه تالمس صدره , إذن فمتخذ القرار ليس
الذي يجلس أمامي اآلن , بل الواقف خلف الستار يتابع أدائى علي خشبة ـ حجرة الضيوف
ويزن كل كلمة ستقال اآلن بميزان من ذهب لذا زايلت الحديث عن السياسة فقد حان وقت رفع
الستار وحان ظهورى علي خشبة المسرح دون تباطوء حتي ال يشعر الجمهور الجالس في
الصف األول ويمثلهم ـ والدها ـ والجمهور في البنوار المطفأة أنواره وتمثلهم ـ والدتها ـ
بالملل من أول مشاهد هذه المسرحية !
فازدردت ريقي حينما ترائى لي ألن جميع أفراد األسرة يجتمعون في الخارج ما بين منتصب
وجالس لصق باب غرفة الضيوف وعلي رأسهم “عبير” التي تتابع بنفسها تنفيذ التعليمات
هي التي أملتها
عل باألمس القريب , ووالدتها التي تتابع هي الأخري التعليمات التي أملتها علي
ي أن أجتازه
والد “عبير” وعلي الفور سرت في جسدي رعدة فأنا اآلن في أختبار صعب و علي أن أجتازه
..
أذكر أنني مررت بنفس هذا اإلختبار حينما تقدت لطلب يد اآلنسة “الهام ” زوجي الحالية
أجبت علي صمته هذا بأنني أتحين هذه الفرصة كي أتقدم إليه طالبا الزواج من كريمته اآلنسة
“عبير” ! وأنا أعمل في نفس المؤسسة التي تعمل بها ” عبير” , مطلق وليس لي أوالد
وهذه الجملة تعمدت أن أمر عليها مرورا عابرا .
وال أدرى إلي اآلن لما ذكرتها من األساس , فلم يكن الحديث عن هذا الموضوع قد تطرق من
كنت أعتبر حديث
قبل وال حتي بيني وبين نفسي , وحينما كان يعلو علي سطح األحداث ,
بقي الباب
ُ
“الهام” عنه ليس إال تفريغ لطاقتها وحنقها , عموما لم يكن هناك بد من أن أ
, لذا
مواربا حتي لنفسي , فربما قد ألجأ إليه لجوء المضطر إذا إضطرتني الظروف لذلك
ذكرته من باب التحسب فقط ال غير .
إل أنه قد يراجع ي لم تنبت شفتا والد “عبير” بكلمة وانسحبت غمامة علي ابتسامته و ُخيل
نفسه ويكون قراره هو رفض هذه الزيجة , فعاجلته باإليجابيات حتى ال أترك للسلبيات أن
فتحدثت عن الشبكة وأكدت أنها هديتي لعروسي وستكون قيمة للغاية ,
تترك أثرها في نفسه ,
ثم تطرقت لمسألة المناصفة في شراء األثاث وشقة الزوجية .. إلخ .. إلخ
أما الشيء الالفت للنظر فهو أنني وعدت والد ” عبير” أن فترة االنتظار لن تزيد علي ستة
أشهر رغم أن هذا الكالم لم نتطرق إليه من قريب أو بعيد أنا أو “عبير ” في لقاءنا األخير .
لم أشعر بالغربة علي وجه االإطالق وأنا أتحدث إلي والد “عبير” بل عكس هذا كنت أشعر أن
الدفء العائلي الذي يتضوع في هواء البيت , هذا هو ما كنت أحتاج إليه حينما تقدمت الزواج
من “الهام ” ولكني لم أشعر به خالل سني زواجي منها والتي استمرت عامين كاملين .
انتهى الحديث سريعا علي غير ما كنت أتمني , انتصبت في مكاني واستأذنت في اإلنصراف ,
في تلك اللحظة سمعت جلبة في الخارج , حيث تفرق أفراد األسرة الموجودون لصق الباب
دلفت
مسرعين الخطي إلي الغرف الداخلية , وفي خطوة أعتبرتها موافقة مبدئية علي طلبي ,
والدة “عبير” إلي غرفة الضيوف ومن وراءها “عبير” وهي تحمل صينية عليها أكواب
الشربات .
ـ فيما العجلة بالرحيل يا “محمد”
قالتها أمها بترحاب شديد وابتسامة ترف علي شفتيها
أسرعت الخطي بعد أن صافحتهم جميعا وقلت بينما أنا أصافح والد “عبير” أتمني أن أسمع
ي “عبير”
عن قريب عن خبر سعيد ولم أنسي أن أزيل كالمي بكلمة عمي كما أملت عل
وأحسبني شعرت أن المسافات بيننا قد اقتربت بشدة وبأنني بلغت المراد من زيارتي .
وصلت إلي أحد المطاعم الشهيرة وابتعت وجبة عشاء شهية فيها ما لذ وطاب مما تحبه
زوجي “الهام” وعدت أدراجي إلي بيتي وكل ما يدور في ذهني هو الخطوة التالية , ليس
عالج المشكلة التي انفجرت في بيتي هذا أمر ال نقاش فيه ومن الممكن حل أي مشكلة تنشأ
بيني وبين “الهام” بكلمات حب معسولة مصحوبة بهدية , فليس هذا ما كنت أقصده وإنما
كنت أقصد الخطوة التالية مع “عبير” .
في صباح اليوم التالي توجهت لعملي , وبينما أنا أسير في أروقة المؤسسة كنت أسترجع
كانت سعادتي بالغة ألنني أديت الدور الذي لب
ُط مني علي أكمل بعض أحداث األمس القريب ,
وجه , وهذا ما استشففته من السعادة والبشر الذي كان يشع علي وجه “عبير” وبالتأكيد
سأراها اليوم في حال طيبة بعدما زالت الغمة التي كدرتها األيام الماضية .
جلست إلي مكتبي بينما أحدي الزميالت المقربات مني ومن “عبير” اقتربت من مكتبي
وابتسامة تعلو ثغرها وعيناها يصوبان شعاعا المعا إلي عيني , ومالت بجزعها وأسندت
مرفقيها علي مكتبي وقالت بصوت حفيف : أال تريد أن تصارحني بشيء ما ؟
أدركت علي الفور ما ترنو إليه وقلت في ال مباالة : أرادت “عبير” أن أساهم في حل مشكلة
تواجهها فساهمت بقدر كبير !
ـ أي مساهمة تعنيها تلك ؟
ـ دور العريس ؟
ـ أتعني ما تقول ؟ واضح أنك تدعي السذاجة , أو ال تريد أن تصرح بما يختلج في أغوار
نفسك
ـ ستأتي ” عبير” وتوضح لك ما حدث
ـ “عبير” طلبت أجازة اليوم , أأقول لك شيئا ويظل طي الكتمان بيننا ؟
ـ ليت ك وضحت األمر قليال
ـ ألم تسأل نفسك .. لماذا اختارتك أنت بالعنية لتقوم بأداء هذا الدور ؟
بينما أنا أقطب جبهتي وأرفع عيني دون رأسي عاجلتني بقولها .. “عبير” شغفت بك حبا
لحظة أن رأتك للمرة األولي هنا وحاولت أن تلفت انتباهك مرات متعددة ولكنك لم تعي
أشاراتها تلك لك ألنك كنت غارقا في المشكالت التي تثيرها دوما زوجك “الهام” , فآثرت
“عبير” االنسحاب من حياتك إلي أن قلت مؤخرا أنك و”إلهام” اتفقتما علي اإلنفصال
بالتراضي ! فتفتق ذهنها عن هذه الخطة الماكرة لتعرف كم أحبتك !
ي ـ دفنت صفحتا وجهي بين
كف وأنا ألوم نفسي علي أنني كنت غافال عن هذا الحب ..
تزوجت “الهام ” ألنني أحببتها
وتزوجت “عبير” ألنها أحبتني
أ ُ أما “بسنت” و “هايدي” فتزوجتهما لاأسباب اخر
*****




