
جائزة فلسطين العالمية للآداب .. الكلمة التي تقاوم النسيان وتحفظ فلسطين من الطمس
جائزة فلسطين العالمية للآداب.. الكلمة التي تقاوم النسيان وتحفظ فلسطين من الطمس
كتبت: علياء الهواري
في الوقت الذي تُهدم فيه المكتبات وتُقصف فيه المعالم الثقافية في غزة، ووثقت فيه اليونسكو تدمير مئات المواقع الثقافية، تبرز الكلمة كخط دفاع أخير. من هنا تأتي أهمية جائزة فلسطين العالمية للآداب، كواحدة من أبرز المبادرات الثقافية غير الحكومية التي انطلقت عام 2019 لتقول إن الرواية الفلسطينية لا يمكن محوها.
الجائزة التي تُقام كل عامين، لم تقتصر على تكريم كاتب فلسطيني بعينه، بل فتحت الباب أمام كل قلم حر في العالم، فلسطيني كان أو غير فلسطيني، يكتب عن فلسطين. تستقبل الجائزة الأعمال المنشورة في الرواية والقصة القصيرة والشعر والمسرح والمذكرات وأدب الأطفال، بعدة لغات من بينها العربية والفارسية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية. وفي دورتها الثالثة، التي تركز على الأعمال الصادرة بين 2023 و 2026 حول المقاومة وتحرير القدس وجرائم الاحتلال، بلغت قيمة جوائزها 120 ألف دولار.
قوة هذه الجائزة تكمن في أنها تجاوزت فكرة الاحتفاء الأدبي إلى معركة حقيقية للدفاع عن الحقيقة والذاكرة. فهي تكرم الكتاب والناشرين الذين اختاروا أن يناضلوا بأقلامهم لنصرة الشعب الفلسطيني، وتنجح في جمع مبدعين من خلفيات ودول مختلفة حول قضية واحدة. إقامة دورتها الأولى في بيروت عام 2022 والثانية في بغداد عام 2024 كان رسالة واضحة بأن هذه الجائزة قادرة على بناء جسور ثقافية دولية تتحدى الحصار.
ولم يكن الأدب يوماً مجرد نصوص للقراءة، بل كان منذ نكبة 1948 سلاحاً ثقافياً في مواجهة الطمس. أسماء مثل غسان كنفاني في “رجال في الشمس” ومحمود درويش وفدوى طوقان وإبراهيم نصر الله، وصولاً إلى روايات يحيى السنوار، كلها أعمال رسخت الرواية الفلسطينية كقصة إنسان عادل يطالب بحقه في العودة والكرامة وتقرير المصير. هذا الأدب هو الذي حفظ الهوية عندما حاول الاحتلال محوها، وأعاد للفلسطيني صورته الكاملة، إنسان يحلم ويحب ويقاوم، وليس مجرد رقم في عداد الضحايا.
وهنا يكمن الدور الأخطر للأدب في توعية الشعوب. فالتقارير السياسية قد تعطيك الأرقام، لكن القصيدة والرواية وقصة الطفل والمذكرات تحول هذه الأرقام إلى لحم ودم، إلى طفل يحلم وأم تنتظر وعائلة لا تزال تحتفظ بمفتاح بيتها. بهذه الطريقة يعيد الأدب القضية إلى جوهرها الإنساني، حق البشر في الحرية والأمان، ويفضح جرائم الاحتلال ويوثقها بأسلوب يبقى في الوجدان، ويواجه محاولات تزييف التاريخ ومحو الحكاية الفلسطينية.
في النهاية، تثبت جائزة فلسطين العالمية للآداب أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على الذاكرة. وفي زمن يُدمر فيه الجسد والمكان، تظل الكلمة هي القادرة على إحياء الحق، والدفاع عنه، وتذكير العالم بأن ما يحدث في فلسطين ليس نزاعاً جغرافياً، بل قضية ضمير إنساني عادل.




