
مداخلة د محمد أبو العينين بعنوان الأسرة في العصر الرقمي: من الرقابة إلى صناعة الوعي بملتقي الأسرة العربية
مداخلة د محمد أبو العينين بعنوان الأسرة في العصر الرقمي: من الرقابة إلى صناعة الوعي بملتقي الأسرة العربية
علاء حمدي
الملتقي الرابع عشر مجلس الأسرة العربية للتنمية أحدي مجالس الاتحاد العربي للتنمية المستدامة والبئية تحت رعاية جامعة سيناء رئيس مجلس الأمناء د. حسن راتب وإشراف د.اشرف عبد العزيز الأمين العام للاتحاد والمشرف على المجالس وتنظيم د.امال ابراهيم رئيس مجلس الأسرة
ملخص مداخلة الدكتور محمد محمود أبو العينين، عميد كلية العلوم الاجتماعية بالجامعة الأمريكية في الإمارات تحت عنوان
الأسرة في العصر الرقمي: من الرقابة إلى صناعة الوعي
هل ما زالت الأسرة قادرة على أداء دورها في التنشئة الاجتماعية، بعد أن أصبحت المنصات الرقمية شريكًا رئيسيًا في تشكيل وعي الأبناء وقيمهم؟ بهذا السؤال افتتح الدكتور أبو العينين مداخلته، مؤكدًا أن القضية ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في تحول اجتماعي وثقافي أعمق يمس العلاقات الأسرية ومصادر السلطة والمعرفة وانتقال القيم بين الأجيال.
كانت الأسرة تاريخيًا المؤسسة الأولى للتنشئة، تشاركها المدرسة والمؤسسات الدينية والإعلام. أما اليوم، فيتعرض الطفل منذ سنواته الأولى لتدفقات هائلة من الأفكار والقيم القادمة من ثقافات شتى، فقد يتأثر طفل في القاهرة بمحتوى يصنعه شخص في كوريا الجنوبية أو الولايات المتحدة. ولا يعني ذلك تراجع دور الأسرة، بل أن وظيفتها صارت أكثر تعقيدًا.
ومن أبرز التحولات ما سماه «انقلاب العلاقة المعرفية». فاستنادًا إلى تصنيف عالمة الأنثروبولوجيا مارغريت ميد، نعيش اليوم «ثقافة استباقية» يتعلم فيها الكبار من الصغار، فنرى طفلًا يعلّم والده تطبيقًا، وحفيدة تساعد جدتها على استخدام الهاتف. لكن المهارة التقنية لا تعني النضج الأخلاقي والاجتماعي؛ فالأبناء يملكون المعرفة الرقمية، والآباء يملكون الحكمة والخبرة الحياتية، والمطلوب علاقة تكاملية بينهما.
وينبّه الباحث إلى أن الفجوة بين الأجيال ليست تقنية فحسب، بل ثلاثية الأبعاد: فجوة في المهارات، وفجوة في القيم المتعلقة بالخصوصية والحرية والسلطة الوالدية، وفجوة في الإدراك، إذ يرى الأبناء الفضاء الرقمي جزءًا من حياتهم الحقيقية، بينما يراه كثير من الآباء مجرد وسيلة ترفيه. ففي المثال المصري، قد يشكو الأب من إفراط ابنه في استخدام الهاتف، بينما يتحدث الابن عن حاجته إلى الاستقلال وبناء هويته. وهكذا يخفي الخلاف الظاهر صراعًا أعمق حول القيم والسلطة.
وتظهر مفارقة أخرى هي «الحضور الجسدي والغياب الاجتماعي»: الأسرة مجتمعة في غرفة واحدة، وكل فرد منها في عالم رقمي مختلف، وهي الظاهرة التي ناقشتها شيري توركل في كتابها Together Alone. غير أن الدكتور أبو العينين يحذّر من النظرة السلبية المطلقة، فالتكنولوجيا نفسها تحفظ روابط الأسر التي فرّقتها الهجرة والغربة، والعبرة بنمط الاستخدام وسياقه. كما يرى أن المنصات تؤثر في القيم ولا تهيمن عليها بصورة آلية، فالأمر يتوقف على الأسرة والتعليم وجماعة الرفاق.
أما الحل، فهو الانتقال من الرقابة القائمة على المنع إلى «التربية على المسؤولية الرقمية»، فالمنع المطلق غير واقعي، وترك الأبناء دون توجيه ليس حرية. ويقوم النموذج المقترح على خمسة مبادئ: الحوار بين الأجيال، والقدوة الأسرية، والتفكير النقدي، والمسؤولية الأخلاقية، والتوازن بين العالمين الواقعي والافتراضي. وهي مسؤولية مجتمعية مشتركة تشارك فيها المدرسة بمناهج تتناول المواطنة الرقمية وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
ويختتم بدعوته إلى «عقد تربوي رقمي بين الأجيال»، قوامه الاعتراف المتبادل بأن لكل جيل ما يقدمه للآخر. فالأبناء ليسوا مجرد متلقين للتوجيه، والآباء ليسوا مجرد حراس على أبواب العالم الرقمي، بل شركاء في تنشئة جيل يوجّه التكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع.




