
نصر أكتوبر .. كيف نصنع جيلا يحافظ على هويته الوطنية؟
نصر أكتوبر .. كيف نصنع جيلا يحافظ على هويته الوطنية؟
كتبت د : امال ابراهيم
في ذكرى نصر أكتوبر، لا ينبغي أن نتوقف فقط أمام بطولات جنود عبروا القناة واستعادوا الأرض، وإنما علينا أن نسأل سؤالا أكثر ارتباطاً بالمستقبل:
كيف نحول ذاكرة أكتوبر من ذكرى نحتفل بها كل عام، إلى قيمة يعيشها أبناؤنا كل يوم؟
فالأوطان لا تحافظ عليها الذاكرة وحدها، ولا تُبنى الهوية الوطنية بحفظ أسماء المعارك والشخصيات والتواريخ، وإنما تبني عندما يشعر الطفل أن هذا الوطن جزء من هويته، وأنه هو أيضًا جزء من مسؤولية هذا الوطن ومستقبله.
لقد كان نصر أكتوبر نموذجاً واضحا لما يستطيع الإنسان أن يحققه عندما يجتمع الانتماء مع الإيمان بالهدف، والتخطيط مع العلم، والتضحية مع المسؤولية.
ومن هنا يمكن أن يكون أكتوبر درسًا تربويًا لبناء الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
1. الانتماء يأتي قبل المعرفة
قبل أن نطلب من الطفل أن يحفظ أسماء القادة أو تواريخ المعارك، نحتاج أن نزرع داخله شعورًا بسيطًا:”هذا وطني… وأنا جزء منه.”
فالطفل الذي يشعر بالانتماء سيبحث بنفسه عن تاريخ وطنه، وسيفخر بإنجازاته، وسيشعر أن الحفاظ عليه مسؤولية وليست مجرد شعارات.
2. الأسرة هي المدرسة الأولى للهوية الوطنية
الهوية لا تُدرَّس فقط في المدرسة، وإنما تبدأ من البيت عندما يرى الطفل والديه يحترمان القانون، ويحافظان على الممتلكات العامة، ولا يلقون القمامة في الشارع، ويحترمان العامل، ويساعدان الآخرين، ويختلفان مع الآخرين دون إهانة أو كراهية؛ فهو يتعلم المواطنة دون أن نلقي عليه محاضرة واحدة فالطفل لا يتعلم حب الوطن مما نقوله له فقط، وإنما مما يرانا نفعله أمامه.
3. نربط تاريخ أكتوبر بحاضرنا
لا نريد أن نقدم نصر أكتوبر باعتباره حدثًا انتهى في عام 1973.نسأل أبناءنا:
ماذا قدم جيل أكتوبر لمصر؟
وماذا يستطيع جيلي أن يقدم لمصر اليوم؟
فالمعركة تغيرت هناك من يحمي الوطن بسلاحه، وهناك من يحميه بعلمه، وطبيب يحميه بعمله، ومعلم يبني أجياله، ومهندس يبني مؤسساته، وشاب يحافظ على بيئته، ومواطن يحترم القانون ويؤدي عمله بإتقان كل جيل له معركته، وكل جيل عليه أن يعرف كيف يخدم وطنه.
4. اللغة والثقافة والذاكرة المشتركة
الهوية لا تعيش في الكتب فقط.
إنها في اللغة التي نتحدث بها، والأغاني التي نحفظها، والحكايات التي ورثناها، والأدب والفن، والمطبخ المصري، والمناسبات، والعمارة، والأماكن التاريخية، وذكريات الأجداد.
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع ما نسميه الذاكرة المشتركة وعندما يعرف الطفل حكاية بلده، ويتعرف على رموز ثقافته، ويقرأ أدبه، ويشاهد فنه، ويزور أماكنه التاريخية؛ يصبح الوطن بالنسبة له شيئًا يعيشه، وليس مجرد اسم على خريطة.
5. تحويل المواطنة من شعار إلى سلوك
من أخطر الأخطاء أن نعلم أبناءنا أن الوطنية تعني فقط رفع العلم وترديد الشعارات.
الوطنية تظهر في التفاصيل اليومية:
احترام القانون.
الحفاظ على البيئة.
عدم إتلاف الممتلكات العامة.
احترام العمل.
مساعدة الآخرين.
رفض التنمر والتمييز.
الالتزام بالمسؤولية.
والمشاركة في خدمة المجتمع.
الوطنية الحقيقية تبدأ من السلوك الذي لا يراه أحد.
6. بناء الهوية الرقمية
وهنا تظهر معركة جديدة لم تكن موجودة في زمن أكتوبر الطفل اليوم يعيش جزءًا كبيرًا من عالمه على الشاشة، وقد يعرف مؤثرًا على TikTok أكثر مما يعرف شخصية مصرية صنعت فارقًا في العلم أو الفن أو التاريخ لذلك لا يكفي أن نقول لأبنائنا: “ابتعدوا عن المحتوى الأجنبي”.
نحن بحاجة إلى محتوى مصري وعربي جذاب ينافس في الجودة واللغة والصورة والإبداع؛ محتوى يحكي قصص النجاح، والعلماء، والفنانين، والأبطال، والتاريخ، والثقافة، والإنجازات المصرية بلغة يفهمها الشباب ويحبونها.
الهوية اليوم لها مساحة على الإنترنت، ومن لا يصنع محتواه سيترك الآخرين يصنعون صورة أبنائه عن وطنهم.
7. الوطن الذي يعطي أبناءه فرصة للمشاركة
لا يمكن أن نطلب من الشباب أن يشعروا بأنهم شركاء في الوطن، ثم نعاملهم دائمًا باعتبارهم مجرد متلقين نحن بحاجة إلى أن يشاركوا في:
المبادرات التطوعية،
المشروعات البيئية،
الأنشطة الثقافية،
خدمة المجتمع،
المجالس والأنشطة الشبابية،
والمشروعات التي تجعلهم يرون بأعينهم أن أفكارهم يمكن أن تصنع تغييرًا.
فالانتماء يقوى عندما يشعر الإنسان أن له دورًا حقيقيًا في المكان الذي ينتمي إليه.
والأهم… أن نبني الهوية الوطنية دون أن نبنيها ضد الآخرهذه ربما أهم رسالة نحتاج أن نغرسها في أبنائنا حب الوطن لا يحتاج إلى كراهية وطن آخر والاعتزاز بالهوية لا يعني رفض الاختلاف.
نريد طفلًا يقول:
أنا مصري، أعتز بثقافتي وتاريخي، وأحترم ثقافات الآخرين أنا جزء من وطني، ولذلك لي حقوق وعليَّ مسؤوليات هذه هي الهوية الوطنية الصحية؛ هوية تمنح الإنسان جذورًا دون أن تغلق عليه العالم وفي ذكرى نصر أكتوبر، علينا أن نتذكر أن الأبطال الذين صنعوا النصر لم يدافعوا فقط عن أرض، وإنما دافعوا عن وطن وذاكرة ومستقبل وأجيال لم تكن قد ولدت بعد.
واليوم، مسؤوليتنا أن نحافظ على ما وصل إلينا، وأن نسلم أبناءنا وطنًا يعرفون قيمته، وثقافة يعتزون بها، وتاريخًا يفهمونه، ومستقبلًا يشعرون أنهم شركاء في صناعته.
لذلك يمكن أن نختصر بناء الهوية الوطنية في معادلة بسيطة:
الهوية الوطنية = انتماء + ذاكرة + قيم + مشاركة + مسؤولية فإذا أردنا جيلًا يحمي وطنه، فلا يكفي أن نحكي له كيف انتصر أجداده في أكتوبر…علينا أن نعلمه كيف يكون هو أيضًا جديرًا بهذا الوطن.




