
طعم الجنة
طعم الجنة
بقلم : د. داود زرين بور
مرّت مئة وثمانية وستون يومًا.
لكن بعض الأيام لا تمرّ على الأمهات.
كلما فاحت في البيت رائحة الأرز المطهوّ، تتوقف يد الأم للحظة. تحدّق في البخار الأبيض المتصاعد من القدر، وكأنها تحاول أن ترى من خلاله وجه طفل صغير ما زال يجلس إلى المائدة.
في تلك الليلة، كان يأكل بشهية لافتة.
ضحكت أمه وقالت :
ـ على مهلك يا بني … لن يأخذ أحد طعامك.
رفع رأسه وقال :
ـ ماما …
ـ نعم ؟
توقف قليلا ، ثم قال:
ـ طعام الليلة غريب.
سألته:
ـ كيف؟
ابتسم وقال:
ـ رائحته مثل الجنة.
ضحكت الأم في تلك الليلة.
أما اليوم، وبعد مئة وثمانية وستين يومًا، فلم تعد تستطيع أن تبتسم حين تتذكر تلك الجملة.
بعض الكلمات لا نعرف ثقلها إلا بعد أن يغيب أصحابها.
كان الطفل في العاشرة.
في الصف الثالث الابتدائي.
العمر الذي يكون فيه المستقبل واسعا ، والأحلام أكبر من أن تخضع للحساب.
كان يحب الحياة.
يضحك كثيرًا.
ويؤمن أن أمامه وقتا طويلاً.
كانت أمه تراه يكبر أمام عينيها؛ تراه شابا ، ثم رجلاً ، وتنتظر اليوم الذي يعود فيه إلى البيت في المساء ويناديها :
ـ ماما…
الأمهات يعشن مستقبل أبنائهن قبل أن يعيش الأبناء مستقبلهم.
وكانت الأم قد بنت في قلبها مستقبلًا كاملًا لابنها.
لكنها لم تعرف أن ذلك المستقبل سيتوقف عند العاشرة.
وكان للطفل عالمه الخاص مع الله.
يدعو.
يقرأ القرآن.
وأحيانًا يتحدث إلى السماء كما لو أن الله قريب جدًا منه.
كان يقول لأصدقائه:
أنا ميكائيل… ألا تعرفون؟ ميكائيل اسمُ مَلَكٍ من ملائكة الله
ثم يبتسم، ويضيف بثقة طفل لا يعرف حدود المستحيل:
ـ إذا كانت عندكم أمنية، قولوا لي… وسأطلب من الله أن يحققها لكم.
كان لا يزال في العمر الذي تبدو فيه السماء قريبة.
وفي العمر الذي يمكن فيه لطفل أن يقول إنه ملاك، فيصدقه قلبه قبل أن يضحك الآخرون.
في تلك الليلة، رسم مدرسته.
المبنى.
النوافذ.
العلم فوقها.
ثم رسم ثلاثة صواريخ في السماء.
نظرت أمه إلى الرسم طويلًا.
شعرت بشيء غامض في صدرها.
لكنها قالت لنفسها:
«إنه طفل… الأطفال يرسمون أشياء لا يفهمها الكبار».
وضعت الرسم جانبًا.
كان الغد يوم مدرسة.
وكان ابنها سيعود عند الظهر.
سيعود جائعًا.
سيحكي لها عن يومه.
سيضحك.
وسيملأ البيت بصوته.
هكذا كانت تظن.
في الصباح، ارتدى نظارته.
وقف أمام أمه، وعدّل الشريط الذي يثبتها حتى لا تضيع.
ثم نظر إليها وقال:
ـ ماما، صوّريني.
كانت تلك الصورة عادية جدًا في لحظتها.
طفل يستعد للذهاب إلى المدرسة، يطلب من أمه أن تلتقط له صورة.
وقفت الأم.
رفعت هاتفها.
ابتسم ميكائيل.
التقطت الصورة.
ثم حمل زجاجة الماء الصغيرة التي تحمل صورة قنفذ، ووضع حقيبته على كتفه.
رافقته أمه إلى الباب.
التفت إليها.
لوّح بيده.
ولوّحت له.
ثم مضى.
لم تكن الأم تعرف أن الصورة التي طلبها بنفسه ستكون آخر صورة لابنها.
ولم تكن تعرف أن تلك اليد الصغيرة التي لوّحت لها ستكون آخر ما تراه منه.
كانت ترى فقط طفلًا يذهب إلى المدرسة.
طفلًا سيعود بعد ساعات.
هكذا كانت تظن.
ثم جاء الانفجار.
انشقّ الصباح.
ركضت الأقدام.
ارتفعت الصرخات.
وترددت أسماء الأطفال في الشوارع.
ثم وصلت إلى مسامعها الجملة التي أوقفت قلبها:
ـ لقد قصفوا المدرسة…
ركضت.
وحين وصلت، لم تعد المدرسة هي المدرسة التي دخلها ابنها قبل ساعات.
الجدران انهارت.
والغبار غطى كل شيء.
الأمهات ينادين أبناءهن.
والآباء يحفرون بأيديهم.
نادت الأم اسم طفلها.
مرة.
ثم مرة أخرى.
لكن الاسم عاد إليها بلا جواب.
ذهبت إلى المستشفى.
تنقلت بين الأسرة.
تبحث في الوجوه.
تسأل عن اسمه.
وكلما قالوا لها:
ـ ليس هنا…
اشتعل في قلبها أمل صغير.
ربما في مكان آخر.
ربما أصيب فقط.
ربما…
الأمهات يعشن على «ربما».
حتى تموت «ربما» أيضًا.
مرّت مئة وثمانية وستون يومًا.
واليوم نعرف اسم الطفل.
ميكائيل ميردورقي.
عشرة أعوام.
تلميذ في الصف الثالث بمدرسة شجرة طيبة في ميناب.
واحد من 168 إنسانًا فقدوا حياتهم في ذلك الحادث.
لكن الرقم لا يعرف شيئًا عن ميكائيل.
لا يعرف نظارته.
ولا زجاجة الماء الصغيرة التي تحمل صورة قنفذ.
ولا يعرف ضحكته.
ولا يعرف أنه كان يقول لأصدقائه:
«أنا ميكائيل… ملاك الله»
ولا يعرف أن أمه كانت تملك صورة أخيرة له، التقطتها قبل أن يخرج إلى المدرسة بدقائق.
ولا يعرف أنه هو من طلب منها أن تلتقطها.
الأرقام تحصي الموتى.
لكنها لا تحصي الأحلام.
ولا الضحكات.
ولا أصوات الأمهات.
ولا البيوت التي صار فيها كرسي فارغ.
خلف كل رقم إنسان.
وخلف كل إنسان حكاية.
وخلف كل حكاية أم تنتظر.
ميكائيل لم يُمهل ليكبر.
لم يُمهل ليخطئ، أو يضحك، أو يتعلم، أو يعود يومًا إلى البيت متأخرًا فتغضب منه أمه.
لم يُمهل ليحقق أحلامه الصغيرة.
كان فقط طفلًا في العاشرة.
وربما كان ذلك وحده كافيًا.
كافيًا لأن يكون غيابه مأساة.
وكافيًا لأن تبقى صورته الأخيرة معلقة في هاتف أمه، كما لو أن الزمن توقف عند تلك اللحظة.
وبعد مئة وثمانية وستين يومًا، ما زالت أمه، كلما فاحت رائحة الأرز في البيت، تتوقف يدها.
تغمض عينيها.
فتراه من جديد.
جالسًا إلى المائدة.
طفلًا.
حيًا.
يضحك.
ثم تسمع صوته:
«ماما… طعام الليلة رائحته مثل الجنة».
ولا تجيب.
فبعض الأمهات، حين يفقدن أبناءهن، لا يبقى لديهن ما يقولنه.
يبقى فقط…
صورة في هاتف،
وكرسي فارغ،
وطفل لم يُمهل ليكبر.




