
منتخب مصر وبلجيكا.. عندما تكون المشكلة في العقلية لا في المهارة
منتخب مصر وبلجيكا.. عندما تكون المشكلة في العقلية لا في المهارة
بقلم: د. عبدالله أحمد
استشاري العلاقات الأسرية والدعم النفسي للرياضيين
انتهت مباراة منتخب مصر وبلجيكا بالتعادل، لكن الحقيقة أن النتيجة وحدها لا تحكي القصة كاملة.
من وجهة نظري كمتخصص في الدعم النفسي الرياضي، فإن ما حدث في المباراة كشف عن قضية أعمق من الجوانب الفنية والخططية، وهي قضية “العقلية الرياضية” أو ما يعرف بالـ Mentality.
في فترات كثيرة من المباراة ظهر منتخب مصر قادرًا على المنافسة، وقادرًا على فرض أسلوبه، بل وكانت هناك لحظات شعر فيها المتابع أن الفوز ليس مستحيلًا. لكن في المقابل، كان هناك شعور خفي وكأن بعض اللاعبين لا يزالون غير مصدقين أنهم يستطيعون الانتصار على منتخب بحجم بلجيكا.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم…
المشكلة ليست دائمًا في القدم التي تلعب الكرة، بل في العقل الذي يوجه هذه القدم.
اللاعب قد يمتلك المهارة والسرعة والقوة البدنية والخبرة، لكن إذا لم يؤمن داخليًا بأنه قادر على الفوز، فسيضع لنفسه سقفًا نفسيًا لا يستطيع تجاوزه.
في علم النفس الرياضي هناك مفهوم يُعرف بـ “المعتقدات المحددة للأداء”، وهي الأفكار التي يحملها اللاعب عن نفسه وعن منافسه قبل المباراة.
إذا دخل اللاعب المباراة وهو مقتنع أن المنافس أكبر منه وأقوى منه وأن التعادل إنجاز كافٍ، فإن عقله سيوجه سلوكه داخل الملعب لتحقيق هذا الهدف المحدود.
أما إذا دخل المباراة وهو مقتنع بأنه قادر على الفوز مهما كانت قوة المنافس، فإن طريقة تفكيره وقراراته وجرأته داخل الملعب ستكون مختلفة تمامًا.
ولهذا السبب نجد أحيانًا فرقًا أقل مهارة تنتصر على فرق أكبر منها فنيًا.
الفارق لم يكن في المهارة.
الفارق كان في العقلية.
ماذا كشف لنا التعادل مع بلجيكا؟
كشف لنا أن اللاعب المصري يمتلك إمكانيات فنية وبدنية جيدة، لكنه يحتاج إلى مزيد من العمل على الجانب النفسي.
يحتاج إلى أن يتعلم كيف يثق في نفسه أمام الكبار.
كيف يلعب دون رهبة من الاسم أو التصنيف.
كيف يتعامل مع المباراة باعتبارها فرصة للفوز وليس فرصة لتجنب الخسارة.
كيف يركز على إمكانياته بدلًا من الانشغال بقدرات المنافس.
التأهيل النفسي ليس رفاهية
للأسف ما زال البعض في مجتمعاتنا يربط الدعم النفسي بالمريض النفسي أو بمن يعاني من مشكلة نفسية.
وهذا فهم غير دقيق تمامًا.
التأهيل النفسي في الرياضة لا يعني علاج المرض، بل يعني صناعة الأداء.
هو تدريب للعقل كما ندرب العضلات.
هو بناء للثقة كما نبني اللياقة البدنية.
هو إعداد للتركيز كما نعد الخطط التكتيكية.
في الأندية والمنتخبات العالمية الكبرى أصبح الأخصائي النفسي الرياضي جزءًا أساسيًا من الجهاز الفني، لأنهم أدركوا أن الفارق بين فريقين متقاربين فنيًا قد يكون مجرد فكرة داخل عقل لاعب.
فكرة تمنحه الشجاعة أو تسلبها منه.
لماذا نحتاج إلى التأهيل النفسي؟
لأن اللاعب يتعرض باستمرار إلى:
– ضغط الجماهير.
– ضغط الإعلام.
– الخوف من الفشل.
– الخوف من ارتكاب الأخطاء.
– القلق من المستقبل.
– المقارنات المستمرة بالنجوم الآخرين.
كل هذه العوامل تؤثر على الأداء مهما بلغت المهارة الفنية.
الرسالة الأهم
ما حدث أمام بلجيكا يثبت أن الإمكانيات موجودة.
لكن الخطوة القادمة هي أن يصدق اللاعب المصري نفسه أكثر.
أن يؤمن بحلمه أكثر.
أن يقتنع بأنه لا يدخل الملعب ليشارك فقط، بل ليفوز.
فالإنسان لا يصل إلى ما يراه الآخرون ممكنًا، بل يصل غالبًا إلى ما يراه هو ممكنًا داخل عقله.
وفي الرياضة كما في الحياة…
قبل أن تنتصر على المنافس، يجب أن تنتصر أولًا على الشك الموجود بداخلك.
ومن هنا تبدأ أهمية التأهيل النفسي الحقيقي.




