
النسيان خادم القلب والذاكرة خادم العقل إشراقة نقدية في رواية “قلعة النسيان” للروائي والإذاعي عمرو أنور
كتب الناقد الأدبي /د يوسف عادل
ما أجمل النسيان ! فهو ظاهرة صحية تريحنا من كثير من الذكريات الحلوة أو المرة.
الكاتب عمرو أنور يكسر لنا حواجز النسيان ، ويغوص بنا في أعماق زمن العصور الوسطى يفتش وينقب عن الماضي من خلال رواية قلعة النسيان، يقرأ لنا التاريخ ويستكمل مشاهده المنسية، ويحاكي لنا الواقع الذي نعيشه ويستشرف لنا المستقبل من خلال إبحاره في اعماق الماضي.
والأستاذ عمرو أنور له خصائص أسلوبية تميزه عن غيره من الكتاب فهو يمتلك نفسا سرديا طويلا جدا فقد بلغت أجزاء روايته سبعة أجزاء كاملة هي : الجميلة والحطاب ، والتابوت ، الأسيرة ، المكيدة ،والجزيرة الملعونه ، الأميرة والأحدب ، المتمردة وكرسي العرش.
ورغم طول هذه الرواية إلا أن الكاتب قد أحكم نسج خيوط روايته إحكاما شديدا من خلال بحث البطل عن حبيبته داخل غرف القصر السبعة والتي تمثل أجزاء الرواية السبعة ، وقد حرص الكاتب على إنجاز المزيد والفريد من الأعمال وليس المربح منها رغم تكلفتها المادية العالية.
العنوان : قلعة النسيان
قلعة النسيان هو العنوان الرئيسي للأجزاء السبعة ، لم يكن اختيار العنوان عشوائيا بل كان متعمدا في ذلك لأن المعنى الذي يتبادر إلى الذهن هو الإصابة بالنسيان ، ولكن بمجرد أن تدخل في أول صفحة داخلية في الرواية بعد الغلاف ( الجميلة والحطاب) تتيقن بوجود مستوى أخر للمعنى ، فلا تجد معنى أو أثر للنسيان ، فبطل الرواية منذ أن فقد حبيبته وهو دائم البحث والتذكر لها في كل غرفة من غرفات القصر السبعة وخير مثال على ذلك :
” تقول الأميرة علياء:
ولكن أين الأمير (شهاب) أخر مرة رأيته فيها كنت داخل أحد أبراج القلعة .
سمراء: سترين الأمير شهاب إذا وضعت يدك على البلورة.
الأميرة علياء: كنت ألقاه وقتما أشاء، يبدو أن شيئا ما قد حدث بيني وبينه وأصبح حاجزا بيننا.
وأصبحت الأميرة علياء نائمة في فراشها نائمة على فراشها بين الحياة والموت كل ما تفعله هو احتضان خوذة الأمير شهاب وهي تبكي.
تضع الأميرة يدها على البلورة وتقول:
نعم ، نعم ، أراه بوضوح ، هو الأمير شهاب ، يجلس على ركبتيه مكبلا بالقيود رأسه محنية إلى الأرض ، كلما رفع رأسه ليحدثني ضربه الحراس على ظهره بالسياط ، أراه يتألم من آثار التعذيب يضربونه في كل أجزاء جسده المخضب بالدماء ، إنه يحرك شفتيه ، لست واهمة ، أنا أسمع صوته ، ويقول لي سآتي يا علياء ، سيكون لنا لقاء”
بعد هذا المشهد الرائع من الجميلة والحطاب نجد أن الكاتب قد أبهرنا بهذا العنوان البراق ليؤكد لنا أن النسيان مستحيل فالأميرة علياء لم تنس الأمير شهاب ولو لحظة فهى تراه ماثلا أمامها بجسده المخضب بالدماء وتسمع صوت أنينه .
اللغة :
حاولت أن أبحر في أعماق ألفاظ ومعاني رواية قلعة النسيان فوجدتها حبات من اللؤلؤ وقطع من الجواهر الثمينة ، يقول عمرو أنور:
تسارعت دقات قلبي ناديت عليها بصوت مملوء بالحشرجة ، أين ذهبت . بدأت الأفكار السوداء تتلاحق على عقلي ، بدأت تتسرب إلى نفسي مشاعر اليأس، أزحت مشاعر الإحباط ، قررت أن أبحث عنها في كل مكان حتى ولو كلفني ذلك حياتي.
3-الشخصيات :
خلال رحلة الغوص في أعماق بعض أسماء الرواية اكتشفت العديد من الأسرار والخفايا مثل: اسم (شهاب ) بطل الجميلة والحطاب ، يظنه الكثيرون اسما حديث العهد ، لكنه اسم قديم وعتيق يناسب الزمن القديم للراوية ، ويدل الاسم على الشعله الساطعة وكل شئ مضيء ،وهذا الاسم يعبر عن دوره في الرواية ،فقد كان شعلة نشاط تحمل الكثير من المتاعب من إنقادذ حبيبته علياء
كذلك اسم الأميرة (علياء) بطلة رواية الجميلة والحطاب أيضا من الأسماء العربية الأصيلة التي كثر التسمية بها منذ قرون طويلة ، وهو اسم يدل على العلو والشأن الكبير والشرف والذكاء، وهذا مناسب لدورها في الرواية، وهناك أسماء كثيرة بنفس الدرجة من العبقرية مثل: شخصية الأمير ( علاء) والكاهن
( خباء)
وقد برع الكاتب في رسم الشخصيات بدقة متناهية مثل شخصية صاحب الكوخ ، يقول عمرو أنور:
” رجل قصي القامة ، طويل اللحية والشارب ، رث الملبس، كبير الفم ، خالي من الأسنان ، أنفه كبير، عيناه صغيرتان ، تجاعيد وجهه تقول أنه هارب من الزمان.
وفي النهاية:
أقول للأستاذ عمرو أنور : أنت مبدع في أفكارك، عذب في أسلوبك، ملهم للأجيال التالية ، مزجت بين ماضينا وحاضرنا ، أمتعتنا بخيالك الخصب أتمنى لك التوفيق ودوام التألق.




