
قصة قصيرة بعنوان تبا لكل نساء الكون ..!
عمرو أنور
تبا لكل نساء الكون ..!
حرت كثيرا في البحث عن النقطة التي سأبدا بها قصتي هذه .. وتردد السؤال في ذهني .. من أين أبدأ ؟ هل أبدأ من النقطة التي إنتهت بها الأحداث أم من النقطة التي بدأ فيها تشابك الأحداث ؟ وبما أنني لم أرجح من أي نقطة أبدأ لذا تركت قلمي هو الذي يحدد ..
كل ما أستطيع قوله هو أنني أحب كل الرجال .. سواء من كان منهم فارع الطول أم قصير القامة .. أبيض البشرة أم أقتمها .. بدينا كان أم نحيفا .. بإختصار أحبكم كلكم ..! ولكن ليس معني هذا ـ حتى لا يفهم أحدكم مغزي كلامي علي غير معناه ـ أنني من الممكن أن أتدني بسلوكي إلي الدرك الذي قد يلقي بي فريسة بين أيديكم فهذا الأمر ليس في حساباتي علي الإطلاق وأحسبني غير مستعدة علي الإطلاق علي أن أتدني سواء بجسدي أو حتى بأفكارى إلي هذا المستوى .
إلتحقت بإحدي الكليات النظرية ..
منذ اللحظة الأولي التي وطأت فيها قدماي أديم قاعة المحاضرات .. وجدت قدماي تقودني إلي مدرج يجلس به عدد من الطلبة .. إرتسمت إبتسامة علي ثغري وأنا أتقدم لأجلس بينهم .. تاركة مكاني بين الطالبات ..!
حينما دلفت إحدي المُحاضرات إنتصبت قليلا عند رأس القاعة ورددت بصرها في أنحاءها ثم توقف بصرها عند مكان جلوسي , سنحت إبتسامة ساخرة علي جانب ثغرها ثم تبدلت سيماء وجهها إلي الجد ثم العبوس وأشارت إليَّ بسبابتها وسألتني :
ـ ما أسمك ؟
إنتترت في مكاني وقلت : “دلال عبد الحميد”
أطرقت برأسها قليلا , خطرت بهدوء في الفراغ الفاصل بين القماطر إلي أن إقتربت من مكان جلوسي ثم وضعت سبابتها علي شفتها وقطبت جبينها وسألت بنبرة جادة :
ـ لماذا تجلسين بين الطلاب تاركة مكانك بين الطالبات ؟
لم تنتظر مني إجابة بل أشارت بسبابتها إلي إحد الأماكن الخالية بين الطالبات وقالت بلهجة جادة وقالت : إجلسي هناك !
قطبت جبيني وبشيء من التأفف قبضت علي حقيبتي وإتجهت إلي القمطر الذي أشارت إليه وغرست فيه جسدي بين الطالبات ووضعت دفتر المحاضرات أمامي بحدة محسوسة ..
عادت المُحاضرة إلي رأس القاعة وبدأت المحاضرة متجاهلة النظرات النارية التي إنطلقت من عيني ..
تحول نظرات عيني من باسمة إلي نارية يعني تغير شديد في مزاجي لأنها عملت علي إبعادي عنكم يا معشر الرجال , عن المكان الذي أحب أن أتواجد فيه دائما .. بينكم ! النظرات النارية هذه ليست إلا إحتجاج بسيط مني علي من يحاول حرماني من متعة إقترابي منكم , تلك النظرات الثاقبة الحادة هي مقدمة لردود أفعال متصاعدة عندما أتعرض لموقف لا أملك فيه
حق الرد لأدرء عن نفسي غبن نالني من أحدهم أو من إحداهن ..!
قبل أن أعود بالذاكرة كثيرا للخلف كي أقف علي ما يحدث في نفسي من حالة فوران عنيفة , ولا أستطيع أن أتغلب فيها علي ما يختلج بداخلي , أود أن أقول أنه لولا أن عتاب المُحاضرة توقف علي ملاحظتها هذه لتطور الأمر كثيرا , وأحسبني سأدفع ثمنا غاليا في أمر ليس لي فيه حيلة .
فدائما ما كنت أقول لنفسي , الأمر بسيط للغاية , فأنا حينما أشعر بأن هناك ظلم أتعرض له ولا أستطيع دفعه تنتابني حالة عي وحصر ـ عجزعن الكلام ـ مؤقتة , تستمر هذه الحالة يوما وأحيانا بعض يوم , هذا علي قدر ما أشعر به من غبن , أحيانا كثيرة يتصبب العرق من جبهتي دون توقف لدقائق , تنفرج شفتاي دون أن تنبتا بكلمة ثم تلتصقان , تضرب الحمرة أوداجي , ترتعش أناملي , أفقد القدرة علي الوقوف فلا تعد قدماي تستطيعان تحمل ثقل جسدي , وتبدو عيناي زائغتان وتترددان هنا وهناك حتى أحسب أنني لا أستطيع السيطرة حتى علي نظراتي .
رغم المحاولات التي بذلتها إلا أني لم أستطع التخلص من هذه الحالة سنوات وسنوات ..
حينما كنت أتعرض لمواقف مثيرة للتوتر كنت أغادر المكان فورا , فإن كان هذا الموقف في بيتنا , كنت ألجأ لغرفتي وأغلق علي نفسي الباب أحيانا لساعات طويلة قد تمتد إلي يوم كامل , كنت أشعر أن غرفتي هي الملاذ الآمن لي مما يتهددني .
هذا السلوك الذي يراه البعض مُبالغا فيه كان يحدث في بيتنا , أما الآن فأنا مقبلة علي حفل زفافي ولا أعرف كيف سأتعامل مع زوجي عندما ينشب الخلاف بيننا لأي سبب من الأسباب وهذا أمر وارد .
حينما كان يدب بيننا خلاف ما خلال فترة الخطبة , كنت آوي إلي غرفتي ولا أتحدث إليه البتة ـ تنفيذا لرغبة أمي ـ حتى لو كان ذلك عبر الهاتف وكانت هي تتولي الرد علي محادثته أحيانا وتسوق له الحجج , تارة تتعلل بأني نائمة أو مصابة ببرد أثر علي وضوح صوتي , وأنني لن أستطيع التحدث إليه في الهاتف أو غير ذلك الكثير من الحجج التي لا يستطيع البحث من ورائها للوصول إلي الحقيقة ألا وهي أن ما أعاني منه هي حالة نفسية أصبت بها منذ نعومة أظفارى ولا أستطيع التغلب عليها , إلي أن أصبحت قاب قوسين أو أدني من حفل الزفاف ومن بعده ستكون حياة مختلفة في بيت آخر مختلف .
أشعر كأن هناك جدارا يفصل بيني وبين احداث مضت يمنعني من الوصول إلى أسباب تلك الحالة بوضوح .
وأحسبني أدرك أن ما يحدث ليَّ الآن هو نتيجة لما حدث وأنا غادة دون الخامسة من عمرى .
في أحد الأيام إستدعتني الإخصائية الإجتماعية في المدرسة ومدت يدها بمظروف مغلق وقالت : سلمي هذا المظروف لمن يتولي أمرك !
عدت إلي البيت وضغطت علي زر الجرس فأصدر نغمته التي كانت دائما ما تطربني , أول ما دلفت للبيت إتجهت مباشرة لغرفة نوم أمي وكانت تقتعد الفراش وقلت لها وأنا أمد يدي بالمظروف :
ـ ميس “عواطف” أعطتني هذا ؟
وقبل أن تتلقي المظروف من يدي الصغيرة تجهمت , قطبت جبينها , زمت شفتيها ونفشت شعرها ورددت النظر يمنة ويسرى باحثة عن شيء تقذفني به فبدت وكأنها تستحضر إله الحرب , وقبل أن تفض المظروف في حدة صرخت في وجهي متسائلة :
ـ ماذا فعلتِ في المدرسة كي ترسل معك هذا المظروف ؟
لم تنتظر أي إجابة , بل وضعت ما كانت تخيطه لصقها وأنزلت إحدي قدميها من علي الفراش وتبعتها بالأخرى والشرر يتطاير من عينيها ولسان حالها يؤكد أنها تستعد لمعركة عنيفة !
قبضت علي المظروف بيد وعلي ساعدي باليد الأخرى وهزتني بعنف وصرخت في وجهي : تكلمي وإلا ستشهدين عقابا بدنيا أليما لم تشهده طفلة من قبل !
رنا صوت صراخها وصوت رجائى لمسامع أبي فأتي مهرولا وحاول الدفاع عني بالكلام فناله من سلاطة لسانها الكثير والكثير, إستطعت الإفلات من قبضتها أو لنقل أفلتتني هي بدفعي بعيدا عنها فسقطت علي الأرض ومددت يدي أستغيث , مال أبي بجزعه وحملني إلي غرفة أخري وهو يحتضنني ويربت علي رأسي محاولا بث الطمأنينة في نفسي .
لم تمر سوى لحظات حتي فضت أمي المظروف وقرأت بعينيها الكلمات المحذرة من سلوك الطفلة الصغيرة التي تفضل اللعب مع الأولاد عن اللهو مع من هن في مثل عمرها من اللدات ما أن أكملت القراءة حتى أتت مهرولة عبر الرواق بين الغرفتين , إنتصبت علي باب الغرفة والشرر مازال يتطاير من عينيها وظلت تدمدم وقد وضعت يديها علي خصرها وهي تتلفت محدثة زمجرة حتي تطيل أمد التعذيب النفسي الذي أتعرض له , وفي حركة بهلوانية رفعت إحدي قدميها فحلق نعلها في الهواء .. التقطته بخفة ولياقة بدنية تُحسد عليه .. ثم تقدمت داخل الغرفة بخطي وئيدة وقد بدا عليها الغضب الشديد حينما وجدت أبي يحتضنني محاولا طمأنتي كي أتوقف عن البكاء ..
إنهالت بنعلها علي كل إنش بجسدي النحيل وأبي يحاول حمايتي بساعديه دون جدوى , وحينما تعالي صراخي لم تتوقف بل ضاعفت من ركلها وسبها , لم تتوقف إلا حينما شعرت بأنها نالت مني وبأنني لم أعد أحتمل المزيد من الركل والضرب , ثم إستدارت وعادت إلي فراشها وهى تتوعدني بالمزيد إن لم أقوِّم أنا هذا السلوك الذي رأته ـ علي غير حقيقتة ـ بداية إعوجاج في سلوكي ..!
عدت إلي المدرسة في اليوم التالي وأحسست بأن لا رغبة لي في أن أتحدث إلي أحد ! ولكني أتخذت مكتب الإخصائية الإجتماعية هدفا لي , وما أن دلفتُ لمكتبها وقفت في سكون شديد , لم تنبت شفتاي بكلمة واحدة , بل كانتا تختلجان دون أن تصدرا أي صوت سوى أنين متقطع ,
أحسست في ذاك الوقت أنني كنت أريد أن أقول لها أن ما خطته بأناملها في الخطاب سبب لي ضررا بالغا , ولكني لم أقوى علي قول كلمة واحدة .
منذ هذه الليلة وأنا دائما ما أري بخيال عيني صور أبي وأمي , صورته وهو يحتضنني ويحاول أن يذود عني أي أذي , وصورتها وقد تطاير الشرر من عينيها وهي تحاول استخلاص جسدي النحيل من بين يديه كي تستمر في التنكيل بي .
حينما أتعرض إلي موقف مثير للتوتر تترائى صورتان أمام عينيَّ , صورة ليد باطشة وهي صورة أمى وصورة أخري حانية هي صورة أبى .
ولكن بما أن ذهنى الصغير لم يستطع لحظتئذ تفسير لماذا تبطش بى أمي , فتحولت كل مشاعر الإحتماء والحب دون أن أدرى إلي جنس الرجال الذي يمثله أبي , وحتى بعدما اشتد عودي وأدركت أن عقابها لي نبع من خوف لا مبرر له , إلا أنني لم أبرأ من حبي المرضي لكم , لذا سأقولها صريحة وبفم مفوه .. تبا لكل نساء الكون .. أنا أحبكم جميعا يا معشر الرجال , أحب الطيب والشرس وحتى القبيح منكم ..!
*****




