
قصة قصيرة بعنوان أين قلبي .. ؟
بقلم عمرو أنور
أعتبر نفسي من الجميلات الفاتنات .. وحباني الخالق بجاذبية
استحوذت علي كثير من اللمحات الجمالية التي وزعها الخالق سبحانه وتعالي بغاية العدل والحكمة علي عباده الصالح منها والطالح ..
أري أنني شديدة الاعتداد بنفسي .. وأحيانا كثيرة يتلبسني الغرور .. وهذه حقيقة لا فكاك منها
عقلانية .. لا .. بل عقلانية جدا ..
مادية .. لا .. بل مادية جدا ..
شاعرية ورومانسية .. نعم ولكن بقدر ضئيل يكاد لا يُرى أو يشعر به الداني
نفسي تتأرجح كثيرا في المفاضلة بين ما يختاره عقلي وبين ما يفضله قلبي ! وهذه المعاناة مابين القلب والعقل بين المشاعر والقلب النابض وبين ذاك العقل المتيقظ ليل نهار والذي يحسب لكل خطوة حساباتها المختلفة ويستعرض الاحتمالات الواردة جعل نفسي تشقي بهذه المفاضلة بينهما ..
محاولة التوفيق بين متطلبات العقل من براهين مادية وبين مشاعر وأحاسيس يرغبها قلبي استنفذت كثيرا من طاقات نفسي !
أحصن نفسي بعقلانيتي الصرفة , فدائما ما أضع الفشل نصب عيني واسعي للنجاح بكل طاقتي .. فإذا لم يتحقق النجاح في أمر ما ويكون الفشل أمرا واقعا فأنا لم أخسر شيئا ولم تقضي صدمة الفشل عليَّ ! عُينت في أحدي الشركات , فأضاف عملي الكثير من الوجاهة الاجتماعية إليَّ وهو ما كنت أسعي إليه .
منذ أيامي الأولي في عملي ارتبطت عيناي ومشاعري بزميلي في العمل , شاب في مقتبل
العمر وسيم ومجتهد ولكن مازال في بداية مشواره , إمكانياته المادية محدودة للغاية إلا من مرتب هزيل .. يحتاج إلي العمل المضني سنوات وسنوات من ليقف كما يقولون ـ علي قدميه ـ ويستطيع بالكاد تلبية متطلبات الزواج .. هو رقيق الجانب لين الطبع , بسيط للغاية وجهه مرآة لمشاعره وإن حاول ألا يكشف النقاب عنها , رياضي , باختصار شديد هو شاب تتمناه من تبحث عن حياة مستقرة سعيدة , طموح ولكن يحتاج إلي بذل جهد كبير للوصول إلي هدفه
بات التأرجح بين قلبي وعقلي واضحا عندما تقدم رجل تجاوز ضعف سني عمري , متزوج وله من زوجه فتاة في عمر الزهور .. وفي أول جلسة تجمعنا منفردين حاول أن يدغدغ مشاعري بالكلام المعسول وضغط بقوة علي جموحي المادي فداعب بقوة أحلام الثراء أو الزواج من ثري ..
كان لزاما علي نفسي أن أعقد المفاضلة بينهما وأرجح كفة أحدهم ! رغم أن مجرد عقد المقارنة بينهما ظالمة لكليهما , فمن خلال رؤيتي العقلانية الخالية من المشاعر ستكون كفة ذاك الرجل هي الأرجح , ومن زاوية المشاعر فقط ستكون كفة زميلي في العمل هي الأرجح ..
لن أدعي أن اختياري لزوج المستقبل ستكون علي أساس المشاعر فقط , بالتأكيد لن يسمح عقلي بذلك وسيتدخل بقوة محذرا تارة وملقيا باللوم علي حبيبي بسبب تقصيره المادي تارة أخرى .
بعد فترة من الأخذ والرد بين قلبي وعقلي .. رجحت كفة قلبي ومشاعري وقررت أن أتزوج مِمَن أختاره قلبي وأنضج مشاعري , من حبيبي الذي ملأ عليَّ حياتي عذوبة بسبب لينه ورقة مشاعره ..
بعد أن حسمت أمرى واخترت مشاعر الود أستطيع القول أن عقلي آثر الهدوء علي مضض ولفترة ما .. ولكني أعلم أنه سيظل متحفزا لأي هفوة تصدر ممن أحببت , فعقلي لم يستسلم لقراري بإرادة كاملة , ربما آثر الهدوء رغما عنه ! علي أمل أن يستيقظ من سباته أقوي مما كان , كي يستعرض الحجة وراء الأخرى علي سوء اختيار القلب وسوء ترجيح كفة مشاعرى
كان حبيبي كتلة من التفاؤل والطموح , ولكن بالنسبة لي لم أرى تفاؤله إلا رغبة منه في إشاعة جو من البهجة علي غير أساس , ولم أري طموحه إلا مجرد كلمات لم ترقي بعد إلي فعل ورغم أني آمنت بتفاؤله وآماله العريضة ولكني بعد فترة بت حذرة بعض الشيء , وطالبته بأن يبذل مجهودا مضنيا إن كان يرغب في إسعادنا أنا وطفلاه , لأنني في المقابل سأبذل مجهودا لا يقل عما سيبذله مستعينة بالصبر .. ولا اخجل في أن أقولها صراحة , أنني لم أشعر بحب جارف له بل أحببت حبه لي , وشُغلتُ به لأنه شغف بي حبا ! أعرف أن هذه هي قمة الأنانية التي لم أبرأ منها حتي يومنا هذا ..
ورغم أنه أدرك هذا من البداية إلا أنه لم يتوقف عنده كثيرا , كان كل هدفه إسعادي رغم ضيق ذات يده , عاونني في كل أمر من أمور حياتنا حتى بتُ أعتمد عليه في كل شيء فيما يخص أطفالنا منذ أن كانوا في المهد لا معالم لهم ! ولا أستطيع أن أنكر أنه احتواني مرات ومرات , حتى لقد استمرأت احتواءه لي وبت أري محاولات احتوائى ضعف في نفسه , سأعترف لكم أنه لم تأخذني به رحمة أو رأفة فكنت أكيل له دون مراعاة للود المفترض ولا لحسن العشرة , فما زلت أنا تلك المتمردة ولا أبالي بما يقال عني , فأنا أجيد الجدال , أقارع الحجة بالحجة الأقوى منها , أبحث دائما عن مسالب من يتحداني وكان هو علي رأسهم , أعلم جيدا حاجته لي وارتباطه بأطفاله .
طلبت الانفصال بعد سنوات طويلة من الزواج .. رفض وآثر الابتعاد إلي أن تهدأ العاصفة .
هدأت العاصفة وعاد عقلي ينقب من جديد عن أسباب أقنع بها مشاعري بقوة موقفي , فهدأت العاصفة من داخلي لحين , ولكن أبدا لم تظهر علي سيمائي أو حتى نبرة صوتي والتي كانت حال حديثه معي مزيج من الحدة والحزم لا حياة فيها !
أسعدني كثيرا رفضه الانفصال عني , لا شك في أنه لا يؤيد فكرة الانفصال عني , ولن أقول أن رفضه جاء فقط حرصا علي أن ينشأ أولادنا في بيئة مستقرة , ولكن حدسي يؤكد أنه رفض الفكرة من أساسها لأن مشاعره لي مازالت في ربيع عمرها , فأوحي لي عقلي أن أستمر فيما أنا فيه .. زاد تسلطي وجموح أفكاري وعنادي , ورددت في نفسي : لن يقوى علي الرحيل .. ثم عدت أكرر بغطرسة وبغرور من امتلك زمام الأمر .. حتى وإن ابتعد .. فلن يذهب بعيدا , لن يتحمل الحرمان من أطفاله , فالأسباب التي تدفعه للعودة متعددة إن لم تكن مشاعره تجاهي في أوجها فمشاعره تجاه أطفاله لا ريب فيها , لذا كان قراري هو الاستمرار في نفس الطريق , وعقدت عزمي أن أحرمه حتى من رؤية أطفاله حتى يأتيني صاغرا وراكعا وأقسمت أنني سأجرده لحظتها من كل شيء حتى من رجولته .
رفض الإنفصال عني متعللا بحاجته لي ولأولادنا
وفي ليلة غشيتها ظلمة العقل هجرت بيت الزوجية واحتلت عليه كي لا أترك ورائى ما يجلس عليه , فبات ليلتها قابعا في ركن من أركان غرفة نومنا وقد بللت دموعه وجنتيه ..
مرت أيام وأسابيع وأنا أنتظر عودته لي آسفا صاغرا ..
لم يفعل ..
أصاب تجاهله كبريائى في مقتل , فأشار عليَّ عقلي أن أنتقم لكبريائى منه , لذا انسقت وراء شهوة الإنتقام ورفعت دعوى بالخلع وحكمت المحكمة , جاءته ورقة انفصالنا , فوقع علي استلامها ولم تنبت شفتاه بكلمة , استدار وسار بعيدا ..
لا أعرف علي وجه الدقة مالذي جعلني أتحسس أخباره !
جاءتني من تزف إليَّ أخبارا عنه وقالت : سيتزوج ..!
استقبلت الخبر بدهشة مشوبة بالسخرية , اعتقدت أن من زفت لي هذا الخبر كانت تختبر صلابتي , مازلت أنا كما عرفني الجميع صلبة , عنيدة , صعبة المراس وقوية الشكيمة , ولا أبالي بما يقال عني .
وعدت أردد : هذا كذب أنا أدرك أنه لن يذهب بعيدا , لن يستطيع الحياة بدوني , حتي وإن ذهب , فأنا أعرف كيف أستعيده , وحينها سأثأر لكرامتي سأجعله يجثو علي ركبتيه وهو مطرق الرأس والدموع تترقرق في عينيه أسفا وندما علي جرحه لكبريائى !
فتحت عيناي بصعوبة بالغة فوجدتني طريحة الفراش ويقف طفلاي إلي جانب مرقدي وهما يبكيان وطبيب العائلة يقول لشقيقي : أصيبت بجلطة في المخ نتيجة ارتفاع فجائي في ضغط الدم , أفقدتها الإحساس بجانبها الأيسر نتيجة سماعها خبرا لم تكن تتوقعه …. عليكم التذرع بالصبر .
*****




