
الفريسة ..!
بقلم / عمرو أنور
توفي أبي وأنا طفلة لم أكمل بعد عامي الثالث , لم نكن أسرة ميسورة الحال بل كنا نعيش في أزمات إقتصادية متواصلة في حياة أبي وزادت حدتها بعد وفاته .
هذا ما ذكرته لي أمي كي تبرر لي رفعها صورة أبي من علي جدار غرفة إستقبال الضيوف إستعدادا لقدوم ضيف مهم , سيقدم أوراق إعتماده كزوج ..
أيقنت أن أمي أعلنت موافقتها علي الزواج منه حتى قبل أن يتقدم هو رسميا , فقد كانت سيماءها تنطق بالبشر حينما أعلنتها الخاطبة “أم أمين” عن رغبة “سيد أفندي” الإرتباط بها حتى قبل أن يعلن رسميا عن زيارته لنا !
عندما علمت أمي بجدية طلبه هذا لم أكن قد بلغت السبعة أعوام , أجلستني أمي علي قدميها وأخذت تداعبني , ثم إنتبهت قليلا وقالت :
ـ هناك ضيف مهم سيأتي بعد أيام قليلة وأنه سيبيت في بيتنا وأنني سأناديه بأبي , أدركت بعد حين الفارق بين وجوده في بيتنا وبين غيابه عنا , وجوده يعني أنني لن أبيت إلي جانبها في الفراش وأنني سأبيت في حجرة منفصلة وأكون لقمة سائغة لتلك الهواجس المتمثلة في العفاريت والأشباح التي تعيث فسادا في غرفتي الصغيرة , يعني أن ألهو دون أن أصدر صوتا عاليا ويُفضل أن ألهو في صمت , يعني أن أبقي بعيدا عن حضن أمي طوال مكوثه في بيتنا , لاشك أن هناك أسبابا مختلفة دفعت أمي للإعلان عن هذه الموافقة المبكرة علي الزواج منه , ومن هذه الأسباب أن وجود رجل في بيتنا سيدرأ عنا مشاكل جمة لأننا نسكن في منطقة شعبية وهي أرملة وفي سن صغير , كما أن الظروف الإقتصادية التي نمر بها منذ وفاة أبي تحتم عليها أن تقبل الزواج منه دون شروط سوى حسن المعاشرة .
رشحته لها إحدي الجارات بعد أن رآها في الطريق وإستطلع الأمر فعرف أنها أرملة المرحوم “محمد أفندي عبد النعيم” الذي كان يعمل موظفا بدار الوثائق المصرية ..
وفور أن وقع ناظريه عليها أوعز لشقيقته أن تبلغها رغبته في التقدم للزواج منها , منذ أيام وأمي تعمل علي التحضير المكثف لهذه الزيارة .
في حوالي الساعة السابعة مساء ذلك اليوم إكتنفت آذاننا أصوات ضجة في الخارج وعلت أصوات همهمات وغمغمات وتساؤلات عن الشقة التي تقطن بها العروس , إستطعت أن أتبين من بينهم صوت “أم أمين” الخاطبة وهي تقول :
ـ الشقة التي علي اليمين
وبعد أن طرقت الباب وفتحه خالي علي مصراعيه أطلقت زغرودة أرعدت جدران البهو , قادت “أم أمين” الجمع في الرواق المؤدي للشقة وتبعتها شقيقة العريس ثم العريس !
بينما هو يدلف من باب شقتنا المتواضعة في الدور الأرضي بعطفة الحاج “إمام” لم أستطع مقاومة فضولي , فتحت باب غرفتي قليلا وأحدت البصر فرأيته من الإنفراجة . ضخم الجثة , عريض المنكبين , كل عضو في جسده مستدير , وجهه وبطنه وأردافه , حتى أنامله مستديرة لم يرقني حجم جسده الضخم .
كان هناك تناقض الشديد بين جسده المترهل الضخم وبين جسد أمي الصغير , كأنك تري عن بعد طائر الكناريا يقف إلي جانب غراب رافعا صوته بالنعيب .
جلسوا جميعا في غرفة إستقبال الضيوف , وبعد الحديث في أمور عامة , بدا لي وكأنه ألقي بقنبلة غاز بين أقدام الجالسين في المكان عندما قال أنه متزوج من إبنة عمه التي عرفت اليتم مبكرا وله منها أطفال أكبرهم يقاربني في العمر .
كان صريحا للغاية عندما قال أنه لن يستطيع التخلي عنها لأنه لا سند لها بعده في الدنيا ,
إتفق خالي معه علي الخطوط العريضة ولم يعر وضع النقاط فوق الحروف أهتماما يُذكر لأسباب كثيرة أولها أن خالي كان حريصا قدر حرص أمي علي إتمام هذه الزيجة حتى يتخفف من الأحمال التي ينوء بها كاهله , فالموافقة علي القادم حتى وإن كان متزوجا ولديه ثلاثة أولاد كبار وبأنه سيبيت يوما واحدا في الإسبوع في بيتنا لهو أفضل من بقاء أمي دون زواج وبقائى يتيمة دون أب .
حينما أطلقت “أم أمين” ذغرودة قبل أن يغادروا شقتنا تأكدت أن هناك شريكا سوف يقاسمني حبي لأمي , ليس مشاعرها فقط بل إهتمامها وحنوها وفراشها أيضا
إنتهي كل شيء في عجالة , وبدأ شهر العسل وإنتقلت أنا للإقامة في بيت خالتي إلي أن تنتهي أيام العسل , لم أكن قد أتممت الثمانية أعوام بعد , مرت أول ليلة لي في بيت خالتي دون مشاكل تُذكر لأنني شُغلت باللهو مع أبنائها , ولكن الأيام التالية شهدت عزوفا مني عن اللهو , لقد أوحشتني أمي , تغضنت إبتسامتي وإنخرطت في البكاء أوقاتا طويلة في الأيام التالية ولم تفلح معي الوعود البراقة بتناول الحلوي في أن أكف عن البكاء , وزاد الطين بلة بعد أن أثرت حالتي النفسية المتردية علي حالتي الصحية فمرضت .
في اليوم الخامس من إبتعادي عن أمي , قبضت خالتي علي راحة يدي وقالت : هيا معي سنعود للبيت , أخشي عليك من عاقبة مرضك هذا فلم تفلح العقاقير التي تتناولينها بإنتظام بعد في أن يبرأ جسدك !
طرقت خالتي الباب وما أن فتحته أمي حتي مدت ذراعيها وإلتقطتني من علي الأرض وطفقت تقبلني وتتحسس جبهتي بعد أن أبلغتها خالتي بحقيقة مرضي .
صارحت خالتي أمي بأنني لا أكف عن البكاء وأنها ترى الدموع تجول في عينيَّ طوال الأيام التي فارقتها فيها , وأن بقائى بعيدا عن أمي فترة أطول سيكون له مردود سيء علي حالتي النفسية , لذا فالإكتفاء بأيام من شهر العسل سيكون الحل الأفضل الآن علي أن تستكمل أمي وزوجها أيام العسل فيما بعد فمازال العمر أمامهما طويلا !
يبدو وأن عودتي إلي بيتنا كانت هي أول صدام خفي بين زوج أمي وبيني , وكان من مظاهر هذا الصدام هو عبوس وجهه لحظة أن وقعت عيناه عليَّ وأنا أقف علي باب غرفة نومهما ,إنصرفت خالتي علي عجل بعد أن ألمحت أمي أن زوجها يرقد بالداخل .
أرخي الليل سدوله , إصطحبتني إمي إلي الفراش بعد أن تناولت الدواء , وبعد أن إستغرقت في نومي عادت لغرفتها .
استيقظت بعد إنصراف أمي بقليل , تحسست الفراش فلم أجدها إلي جانبي , علا صوتي بالنداء , لم يطرق صوتي مسامعها , انزلقت من علي فراشي قاصدة الرواق المؤدى لغرفتهما , كان الباب مواربا , علي ما يبدو تركته أمي كي تسمع ندائى لحظة أن إستغيث بها أثناء الليل , حينما إقتربت من باب غرفتهما إكتنف أذني صوت أنينها وبكائها المكتوم مصحوبا بتوسلات ممضة , كانت تستعطف زوجها ليعفيها من واجبات الزوجية في تلك الليلة لأن حالتها النفسية والذهنية والعصبية ـ بسبب مرضي ـ لا تؤهلها للقيام بواجبها نحوه , نظرت من خلال إنفراجة باب غرفتهما الموارب فرأيت زوجها يدمدم بعنف مستهينا بإعتذارها , بعد حديث قصير بينهما رفضت فيه مودته فلطمها بقسوة ولما تأنت في الإستجابة لرغبته مزق ملابسها ثم طرحها علي الفراش وبدا لي وكأنه يفترسها .
بدا لي كوحش كاسر ينقض علي فريسة ضئيلة البنيان لا حول لها ولا قوة ..!
مازال مشهد افتراس أمي بتفاصيله عالقا بذهني إلي الآن , لن أنكر أنني أصبت بصدمة عنيفة لم أبرأ منها إلي الآن , لقد كرهت الرغبة والشهوة والرجال , وتمحور كرهي للشهوة إلي كرهي لزوج أمي , مضت سنوات وسنوات وأنا أضمر كرها شديدا له , وأتحين الفرصة كي أنتقم منه , لقد تضاعف حقدي له مرات ومرات بسبب سوء معاملتنا علي الدوام !
عندما طمحت في السادسة عشر عرض زوج أمي عليها أن يزوجني أكبر ابنائه , وافقت أمي علي الفور ! وإستعرضت أمامي أسباب موافقتها , علي رأسها أن العريس هو إبن زوجها وليس بغريب عنا .
كان العريس أكبر أبنائه وأقربهم شبها به , كل شيء فيه مستدير كأبيه الرأس والبدن والأنامل ويزيد عنه بقذاله المكتنز !
تحت إلحاح أمي وبرغبة خبيثة في نفسي للإنتقام وافقت , كان أمامي أحد أمران , إما أن أرفض الزواج منه رفضا باتا , ولكن هذا الرفض سيكون ذريعة لأبيه لينكل بأمي وبي أنا أيضا , ولكن كانت موافقتي تتوافق مع ما أشعر به من روح الإنتقام التي تشبعت بها نفسي للنيل من أبيه , فلم يكن الزواج منه سوى درجة أرتقيها لأنتقم من أبيه .
لم أكن أخطط لأن أطعنه بسكين ذا نصل حاد , أو أستعين بشخص ما ليدهسه بسيارته , أو غير ذلك الكثير والكثير , إنحسر إنتقامي في دس السم له في العسل , أن أطعنه في رجولته . هذا هو القتل البطيء والخالي من الرحمة , ستحتاج خطتي إلي أسابيع لقتله , وفيما العجلة أنا لست عجلي في هذا الأمر , بالعكس أنا أريد أن أراه وهو يتعذب لحظة بعد لحظة ويوما بعد يوم , أريد أن أري نظرات عينه المستخذية التي ستتشابه حتما مع نظرات أمي بينما كان أبوه يفترسها , هذا هو القتل الذي لا يريق نقطة دم واحدة من دماء الضحية , لن يستطيع أحد ما أن يثبت نية القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد , لن يستطيع ثمة محقق أن يعثر علي دليل واحد يدينني , سأقتله بنفس السلاح الذي أهدر به أبيه كرامة أمي , أعددت كامل مستلزمات خطتى من بودر مثبط للعضلات كي أدسه له في شرابه المفضل , إلي أحجبة للربط وغير ذلك الكثير , فأنا منذ أن فاتحتني أمي برغبة زوجها في عقد قراني علي إبنه وأنا أتردد علي إحدي الساحرات البارعات في عمل سحر للربط وغيره , ووطنت نفسي علي أن أفترسه بلساني الحاد ما أن يفشل في أول لقاء يجمع بيننا كي أقتل لديه الشهوة والرغبة كما قتل أبيه الشهوة والرغبة في نفسي حين تلاقت نظراتنا أنا وأمي بينما هي تُفترس ..!




