
قصة قصيرة بعنوان .. أريد حبا .. لا حنانا ..! للكاتب عمرو أنور
بقلم :الكاتب عمرو أنور
أريد حبا .. لا حنانا ..!
ربما تلاقي رغباتنا ومصالحنا ساهم كثيرا في وصولنا لنفس الهدف في ذات اللحظة .. تمحورت رغباتنا ومصالحنا في إتمام زواجنا وكلا منا يردد في نفسه “هذه تجربة جديرة بأن أخوضها” ..
كان كل منا ينظر للزواج من الآخر بعين واحدة أما الأخرى فكانت تجوس في نفوس من حولنا وتستشف من ردود أفعالهم تجاهنا تقييمهم لتجربتنا والتي أعتقد الكثيرون فشلها قبل أن تبدأ !
“رامي أحمد ” ثلاثة وثلاثون عاما بالتمام والكمال .. وسيم أو هكذا أري نفسي .. متوسط الطول .. ليس بجسدي عيب ظاهري .. ولكني أرى في نفسي عيوبا خافية علي كثيرين .. أبذل الكثير من الجهد لأعالجها أو علي الأقل إخفاءها .. أعمل في شركة خاصة لتسويق الحواسب المنتشرة في طول البلاد وعرضها .. مجتهد .. صبور وزوج مثالي وبيتوتي وأحلم بحياة مستقرة مع من أحب
عزيزي القاضي أعنيك أنت عزيزي ـ القارئ ـ ليس المطلوب منك أن تقيم تجربتى .. أو تصدر الحكم عليها بالفشل أو النجاح .. أما إذا كنت مصرا علي تقييمها فعليك أولا أن تمعن النظر في التفاصيل .. ليس هذا فحسب بل يجب ألا يغفل تقييمك تقدير تأثير المشاعر ـ التي كنت أكنها ل”باكينام” خطيبتي السابقة ـ وكذا الظروف والملابسات التي صاحبت إتخاذ قرارى بالإنفصال عنها .. وبعد فترة طويلة من العزلة ورفض فكرة الزواج تزوجت من “فايزة” التي تكبرني بأكثر من ستة عشر سنة .
“فايزة” طلقت بعد زواج دام فترة قصيرة للغاية .. وبعد فشلها في حياتها الزوجية قررت أن تتفرغ لرعاية إبنتها الوحيدة ثمرة الزواج وأنا سيدي القاضي عفوا ـ القارئ ـ سأدع “فايزة” تتحدث عن تجربتها وسأقص عليك تجربتي أنا أولا ..!
تقدمت للزواج بعد أن أكملت عامي الثامن والعشرون من فتاة تصغرني بعشر سنوات , هي وحيدة والديها , ورغم أني تعلقت بها كثيرا إلا أنني كنت أشعر بأن هناك هوة شاسعة بيني وبينها .. نفسيا وعصبيا وفكريا وذهنيا وزمنيا وأقول لك صراحة أن هذه الهوة الحياتية بيننا تجاوزت حاجز اللا شعور وأصبحت في مجال الرؤية والإدراك !
كنت دائما أصخي لمن استقلوا قطار الزواج مبكرا , كانوا يحدثونني بكل ثقة عن الزواج والخطوبة وكأنهم خبراء وعلي علم بدقائق الأمور الحياتية ومن بين ما قالوا : أن فترة الخطوبة ما هي إلا فترة لإختبار المشاعر ودراسة دقائق شخصية الطرف المقابل ـ للحكم علي الحياة الزوجية القادمة بالنجاح أو بالفشل ـ علي العكس من هذا .. تأكدت أن فترة الخطبة كانت في معتقد خطيبتي للمراوغة والخداع والتضليل واستخدام المكر والدهاء للوصول إلي الهدف المرجو وهو السيطرة .. ثم السيطرة .. ثم التسلط علي شخصي حتى الثمالة .
ورغم رفضي محاولاتها السيطرة عليَّ إلتمست لها ألف عذر وعذر وأرجعت حب السيطرة والتسلط الذي يسكن جنبات عقل ونفس “باكينام” إلي أنها أصبحت وحيدة أبويها بعد وفاة شقيقها الأصغر وأن شعورا بالخوف تملك زمام أمر والديها خوفا من أن يختطفها الموت منهما , لذا كانوا في سعي دؤوب لتلبية رغباتها في اللحظة التي تعرب فيها عنها .لذلك كانت كل المناقشات التي دارت في فترة الخطبة بيننا بشأن أقتناء أثاث منزلنا من حيث الموديل أو الألوان وغير ذلك الكثير كانت تدور في فلك واحد .. أن هذه رغبتها وأن هذا يعني أن هذه الرغبة ستكون قانونا يسود في بيتنا وسأكون مطالبا بأن ألتزم هذا القانون وإلا سأعرض نفسي للعقاب ورغم أن الإحساس السلطوى لها لم يجد إلا صدي سلبي في نفسي .. إلا أنني آثرت السلامة فترة طويلة ولم أفكر حتى مجرد التفكير في فسخ الخطبة !
كانت مناقشاتنا حال اتخاذ قرار خلال فترة الخطوبة تمر بعدة مراحل ..
تقوم “باكينام” بالتسويق لرغبتها أولا عن طريق التمهيد بأن أمد الجدال بيننا لا يجب أن يتجاوز فترة أطول .. ثم تسوق المبررات المختلفة والحجج والبراهين لتدلل علي صحة رأيها وبأن رأيها أصبح واجب النفاذ .. مع التأكيد علي أن النهاية ستكون بالضربة القاضية لها حال موافقتي علي طلبها .. أو بالأحرى رغبتها .. وإن ترائى لها أنني لم أقنع بما تقول فلسان حالها ينطق بما في ذهنها ألا وهو : قل ما تشاء ولكن في النهاية ستنفذ ما أشتهي حتى وإن لم تكن بك قناعة بذلك ..! إذن فالأولي درءا للخلاف الذي سيدب بعد قليل .. أن تهيئ نفسك لقبول رغبتي .. أي بالرضاء الكامل أي بابتسامة سانحة علي ثغرك بدلا من أن تقبله صاغرا .. فتقف أمام المرآة فتسخط عليك نفسك وتعايرك بضعفك !
كانت “باكينام ” مؤمنة بقدرتها علي الجدال واللغط .. وعمدت فيما عمدت علي أن يتسرب أحساس اليأس إلي نفسي من بداية الجدال حتي أرفع الراية البيضاء مبكرا .. بدلا من الدخول في نقاشات شتي تقودنا إلي خلافات في الرأي قد تصل بنا إلي خط النهاية وهو التلويح بنزع خاتم الخطبة من أصبعها .. وكان التهديد في البداية يأخذ أشكالا شتي .. تقطيب الجبهة .. ثم التجهم .. ثم عبوس كامل في الوجه ..ثم رفع الصوت .. ثم التشويح بالأيدي .. وإن لم أرتدع أو لم تردعني نفسي وآثرت السلامة وقبلت بتنفيذ رغبتها فيكون القبض بأناملها علي خاتم الخطبة .. وإذا تمسكت برأى ورفضت طلبها تنزع خاتم الخطبة في نهاية المناقشة وتضعها أمامي علي المنضدة الفاصلة بيننا .. ثم تنتصب في عصبية وتولي الدبر بينما أنا ألتقط خاتم الخطبة بسرعة وأهرول وراءها محاولا تهدءتها .. ولكنها تستمر في سيرها وهي في غاية السعادة من أمرين .. أولا : شعورها بأنني مازلت متمسكا بها .. ثانيا : ملاحقتي لها يعني إنصياعي الكامل لرغبتها .. ورغم ذلك تصر علي فسخ الخطبة كإجراء إحترازى لقمع أي معارضة مني لرغبتها فيما بعد .. والتلويح بفسخ الخطبة يعني بالنسبة لي الدخول في دوامة الإنفصال .. وما يعقبها من شروخ نفسية .. ربما تكون طفيفة إن تدخل العقل وكان علي قناعة تامة بعدم استكمال مشروع هذا الزواج .. وإن لم يتدخل العقل في تحييد المشاعر ووقف موقف المحايد فسوف يعني ذلك شروخا نفسية أعمق ـ وهو ما حدث معي ـ ترسب لدي أحساس أنني مقبل علي الزواج من طفلة في ثوب إمرأة !
أحيانا كانت تترائ لي صورتها بعد رفضي طلبا لها بعد الزواج بأيام قلائل وهي تتقوقع .. ثم تعرب قسمات وجهها عن تجهم شديد .. ثم تذرف الدمع ويعلو الصراخ الذي ترتج له جدران البيت .. يعقب ذلك القبض علي أي شيء جامد جمود الصخر وتقذف به بعيدا فيتهشم ثم تلقي بجسدها علي الفراش وتبدأ في السباب بين كل نأمة وأخرى وأخيرا تقف في منتصف غرفة النوم وقد وضعت راحتيها علي خصرها وهذا يعني أنها اتخذت قرارها بالرحيل .. ثم تفتح خزانة الملابس وتلقي بملابسي إن لم يكن علي الأرض فيكون علي الفراش ـ وهو ما أستبعده ـ وتستخرج حقيبة ملابسها وتضع فيها ما خف وزنه وغلا ثمنه وهو ما يعني بصريح العبارة انهيار البيت علي رؤوس الجميع .. وبالرغم من أن هذه الصورة كانت قاتمة إلا أنني لم أجرؤ علي اتخاذ القرار بفسخ الخطبة لفترة طويلة لأسباب شتى علي رأسها هزيمتي بالقاضية علي يد مشاعرى المتأججة نحو “باكينام” ! ولكني في النهاية اتخذته ..
حدثكم حبيبي “رامي” عما كان سببا في إنفصاله عن خطيبته السابقة “باكينام” والقرار الذي دفعه لأن يفكر في الزواج مني رغم أني أكبره .. ليس بعدة سنوات تعد علي أصابع اليد فحسب بل بستة عشر سنة كاملة !
وسأحدثكم أنا بكل صراحة ووضوح عما دفعني للهروب إليه وكذلك قرارى بالزواج منه رغم أن جميع من عرف بنبأ زواجنا في محيط الأسرتين أو العمل تنبأ لهذه الزيجة بالفشل الذريع !
“فايزة المليجي” علي وشك أن أكمل عامي الخمسين .. مطلقة ولدى إبنة هي كل حياتي ..
لم أستطع الإستمرار في زواجي أكثر من سنوات تعد علي أصابع اليد الواحدة .. حين تزوجته .. أو قل أيها القاضي ـ القارئ ـ لم أكن قد بلغت بعد السادسة والعشرون عاما .. وكان هو يطمح في ضعف سنوات عمرى .. إحساسي بالفرح والزهو كزوجة لم يتجاوز فراش غرفة نومنا !
لقد أحسست منذ اليوم الأول لزواجي منه أنني تزوجت من أب يتخفي في رداء زوج ..!
لقد تسرب هذا الإحساس إلي نفسي بعد أيام من الزواج .. فلا تكاد تمر لحظة إلا وهو يقوم بتوجيهي كأنني ابنته التي يحرص علي تقويم سلوكها المعوج ليتوافق مع رغباته هو فقط .. لا تمر لحظة إلا وأنا أرفض .. وأرفض فقط من داخلي هذه الإملاءات التي لا تنتهي .. رأيه نافذ ولا مرد له .. لم يكن بالنسبة لي سوى أب .. وعلي الفراش .. والفراش فقط زوج ..!
وبحكم فارق السن الكبير بيننا شعرت أنني من جيل آخر غير الجيل الذي ينتمي هو إليه !
وستدهش عزيزي القاضي ـ القارئ ـ أن هناك الكثير جدا من بنات حواء يبحثن عن زوج بمشاعر أب .. ولكني لست منهن .. أنا أريد زوجا بمعني الكلمة .. زوجا علي الفراش وخارجه .. زوجا يستمع إلي ما أقول .. زوجا لا يملي عليَّ ما أفعل وما لا أفعل ليل نهار .. ونهار وليل .. زوجا لا يجد غضاضة في أن يقبل ما أقول إن رآه يتوافق مع الصحيح .. زوجا لا يخجل من أن يسير إلي جانبي مخافة أن يظنه السابلة أبي .. أريد زوجا .. أريد زوجا فقط ..!
أحسست بعظم المشكلة التي أنا فيها حينما كنت أقف في أحد المتنزهات ورأيت كل من حولي من الفتيان والفتيات يركضون ويلعبون ويتضاحكون دون إسفاف .. تذكرت زوجي وهو يوجه ناظريه إليَّ شذرا حينما دعوته ليلاحقني وأنا أركض .. رفض ونعتني بالطفلة الهوجاء والطائشة ..
ظللت أبحث بعد إنتهاء مراسم حفل الزفاف عن زوجى فلم أجده .. توقفت لحظة أنظر حولي بعد أن أنجبت ابنتي وقلت وأنا أقف أمام المرآة : أنا أحتاج إلي زوج فقط .. أما ابنتي فتحتاج إلي أب .. إلي متي أعيش مع رجل لا يتذكر أنه زوجي إلا إذا تاقت نفسه للفراش .. أما مشاعر الأب بحكمته وجبروته وقسوته أحيانا فكانت حاضرة طوال الوقت ..!
أريد رجلا يكون لي زوجا ويكون لإبنتي أبا .. لا أريد رجلا يكون لي ولإبنتي علي السواء أبا
لذا كان قرارى بالإنفصال عنه !
تزوجنا أنا ورامي رغم أني أكبره بأكثر من ستة عشر عاما بعد أن تلاقت رغباتنا …. تزوجني هو .. لأنه يريد حنانا .. وتزوجته أنا .. لأنني أريد حبا ..
تزوجته لأنني أردت زوجا لا أبا .. ولكن .. ولكن هذا لا يعني أنني لا أتوق أحيانا إلي زوج بمشاعر الأب ..!
*****




