
خائفة من شيء ما ..!
الكاتب عمرو أنور
بت أخاف من كل شيء حتي أصبح الخوف يلازمني .. تملك الخوف من نفسي شيئا فشيئا حتى استحكمها وباتت له لذة في نفسي ..!
وفي ساعات كثيرة بت أبحث عن هذه اللذة وإن لم أجدها في لحظة ما .. كنت أسترجع أمرا ما أو حدثا مررت به مرات ولا هدف لي سوى أن أسترجع اللذة التي شعرت بها أياما وأيام وأنا في طفولتي .. حتى أن التوتر الذي كان يصاحب الخوف الذي يتملكني بات هو الآخر يمثل لذة تصيب نفسي .. قطرات العرق التي كان يتصفدها جبيني .. رعشة أناملي .. اختلاج شفتاي .. إرتعاش جفوني .. إضطراب كياني .. هذه الظواهر التي يعتبرها البعض تمثل ظواهر شاذة وخارجة عن المألوف أصبحت أنا أبحث عنها بدأب .. وإن لم أجدها في وقت ما أظل أبحث بداخلي بلا توقف إلي أن أجدها .. لا تتعجبوا إنها النفس البشرية يا سادة ..!
أوكلت أمي أمر رعايتي منذ أن كنت ابنة شهور إلي المربية وانشغلت هي عني بتحقيق حلم حياتها بالنجاح في عملها .. حيث أنها كانت تعمل في وزارة الخارجية .. وهذا الأمر كان يتطلب منها حضور مؤتمرات وحفلات وفي أحيان كثيرة السفر خارج البلاد لأيام .. فلا توجد ساعات عمل محددة .. رفضت أن تستقدم لي مربية أجنبية من الشرق الأقصي لأنها كانت ترى أن تقاليدهن تختلف عنا بالمرة .. لذا كانت المصرية هي سبيلها لرعايتي ..
لم تشعر أمي بالخطر الذي يتهددني .. فقد كنت أشعر بأن المربية هي أمي .. دائما ما ألجأ إليها إن فتحت ذراعيها لتحتضنني .. بينما أمي تجلس في غرفة مكتبها تواصل حديثها مع زميلات لها عن خطة العمل في المرحلة القادمة .. أو ما تم إنجازه في الفترة الماضية أو تباشر أمرا ما طلبت أن يتم في توقيت معين أو تسأل عن شيء ما يخص العمل .. ناهيك عن زيارات المجاملات المستمرة والتي تستهلك أغلب أوقاتها .. سؤالها عني كان يأتي في آخر الليل حينما تعود منهكة وبأسئلة واضحة ومقتضبة ..
ـ متي آوت “فاتن” إلي فراشها ؟
ـ الساعة الثامنة يا مدام
ـ هل استذكرت دروسها
ـ نعم يا مدام
ـ هل أحضر الكواء ملابس المدرسة
ـ لا مدرسة .. فغدا يوافق الجمعة يا مدام ..
ـ نسيت هذا أيضا .. لا أعرف ما ينتابني ؟ أصبحت أنسي كثيرا !
ـ ألا تحصلين علي إجازة للترفيه يا مدام ؟
ـ العمل لا يرحم يا ” نظيمة “.. إن تقاعست قليلا .. فغيرى في محيط العمل ينتظر أن أعثر علي أحر من الجمر ليثب علي مكاني !
كانت هذه الأسئلة وغيرها الكثير تطرق أذني قبل أن أرخي جفوني وأنا علي فراشي كما يرخي الليل سدوله !
كنت تجد أمي دائما في الصف الأول من بين المهنئين .. وكذا في الصف الأول في طابور المشيعين للقبور وفي المساء بين المعزين .. لأنها تعتبر أن هذه المجاملات تفسح لها الطريق دائما وتبقيها في ذاكرة متخذي القرار !
وكانت تكمل المناسبات سواء التهاني أو التعازى بمكالمات تليفونية بعد عودتها إلي البيت لساعات , لم يتحمل أبي كثيرا ما يحدث فآثر الإنسحاب من حياتها وحياتي مع حرصه علي الإلتزام بمصروفات سخية
كان رهاب أمي من أن تفشل في حياتها العملية كما فشلت في حياتها العائلية هاجسا يؤرقها دائما .. لذا انكفئت علي عملها ببأس شديد وساعدها علي ذلك أنها كانت تجني ثمار هذا الجهد المبذول سريعا في صورة الإطراء المستمر من رؤسائها علي المجهود الذي تبذله أو المنح التي كانت تحصل عليها والتي تمثلت أحيانا في السفر في مهام سريعة وعاجلة خارج القطر ..لم يكن غريبا أن توكل أمرى أنا ابنة الشهور المعدودة إلي مربية كانت تثق فيها وكانت تقول المربية ستكون أفضل حالا من المدرسة الداخلية , علي الأقل سأرى ابنتي كلما أردت رؤيتها , أما في المدرسة الداخلية فلن يتاح لي رؤيتها إلا بمواعيد في الأغلب ستكون يومي الإجازة , وربما أكون مشغولة أو في سفر خارج البلاد .. حينئذ لن أراها في إجازتها الإسبوعية .. فالمربية المنزلية ستكون أفضل ..!
بدأ الأمر وأنا في سن صغيرة للغاية حينما كانت المربية تريد أن تخلد للراحة بعد يوم عمل شاق أو تستكمل عمل شيء مما كلفتها به أمي .. فهي مسئولة عني في المقام الأول من مأكل ومشرب ومداعبة وتسلية , بإختصار رعاية كاملة فهناك آخرين استقدمتهم أمي لشئون المنزل .. يأتون في التاسعة صباحا وينصرفون في التاسعة مساءا وهم يقطنون في الحي الشعبي الذي يجاور حينا الراقي إلا ” نظيمة ” ذات الأربعين عاما .. تزوجت حينما كانت في الثالثة عشر (طفلة) استقدمتها أمي من إحدي قري الصعيد بعد أن مات زوجها وعاشت معنا واستقرت في بيتنا لتؤنس وحدة أمي بعد إنفصالها عن أبي
” نظيمة ” هي الوحيدة ممن يعملون في البيت التي تأتمنها أمي علي رعايتي ..
من بين مهامها أيضا غير العناية بي ورعايتي الإشراف علي كل صغيرة وكبيرة في المنزل في حالة غياب أمي .. أو حتي وهي موجودة .. كانت تنتظر عودة أمي مساءا من المجاملات الضرورية وتقوم بإعداد الطعام لها بعد أن أخلد أنا للراحة .. كأن تأتي أمي في الثلث الأخير من الليل فتسأل عني فتعرف أنني آويت لفراشي كما تقضى تعليماتها الصارمة وطبقا لهذه التعليمات لا يُسمح لي بالسهر بعد العاشرة إلا يوم الخميس من كل إسبوع ..
حينما كان يجافيني النوم وتأبي جفوني السدول طواعية كانت ” نظيمة ” تطفئى كافة الأنوار في غرفتي ثم تجلس إلي جانبي علي الفراش وتبدأ في حكي الحواديت علي شاكلة ” الشاطر حسن” و”سندريلا والأقزام السبعة ” وغيرها ..
ولما سئمت هذه الحواديت والقصص ورفضت النوم ملتزمة بتعليمات أمي الصارمة كان خيال ” نظيمة ” يصول ويجول وتفتقت قريحتها عن الحواديت التي كانت تسمعها هي في طفولتها .. والتي كانت تختلف إختلافا كونيا عن سندريلا والأقزام السبعة وغيرها من الحواديت ذات الطبيعة الرومانسية التي تشذب المشاعر .. حواديت ” نظيمة ” كانت شرسة وعنيفة وأحيانا عدوانية نظرا لطبيعة البيئة التي نشأت فيها .. فأبطالها وحوش علي صلة دم بالجان والعفاريت علي شاكلة “الوحش” الذي كان يستطيع بقوته قتال مجموعة من الرجال دون أن يصاب بأذي .. و”أمنا الغولة” ذات القسمات الحادة والشعر الأجعد والحواجب الشرسة والعيون الغائرة في المحاجر بلونها الأحمر وفمها الثرم والصوت المرعب الذي ترتج له الجدران ..
لم تفطن مربيتي ” نظيمة ” إلي ما كنت أعانيه , ولم تدرك أسباب ما يطرأعلي جسدي النحيل , ولم تعيَّ أن خيالي الجامح كان يصور ما كانت تحكيه حتي أصبح الخيال والواقع شيئا واحدا أمامي أراه رؤي العين فحينما كانت تحدثني أن أمنا الغولة سوف تطارد الطفلة الصغيرة داخل أحراش الغابة .. كنت أشعر بها وهي تطاردني أنا وأنها عما قريب سوف تلحق بي وتقبض علي عنقي بأسنانها فكنت أنفعل بشدة وأبكي في سكون ..
حينما اشتد عودى قليلا وبلغت السابعة من عمرى ترسبت مشاعر الخوف بداخلي واستحكمت وزاد عليها خيالي غموضا ورهبة .. فكنت أخاف النزول في المصعد بمفردي أو حتى علي درجات السلم .. كان لابد أن تنتظرني ” نظيمة ” سواء وأنا أرتقي السلم أو وأنا أستعد للنزول وتظل تحدثني بصوت عال لكي يؤنسني ولكن رجع صوتها داخل البهو تلاعب هو الآخر بخيالي ..
ورغم أني كنت أري من هم أصغر مني يصعدون ويهبطون درجات سلم العمارة بمفردهم إلا أنني لم أستطع مجاراتهم .. بل علي العكس كنت أتشبث براحة يد ” نظيمة ” عندما كنت أسمع خطوات أحدهم وهو يستعد للنزول فكنت أتخيل تلك العجوز ذات الشعر المنفوش علي رأسها وأنفها الكبير وعيونها الحمراء التي تصدر الشرر وهي قادمة نحوى .. فكان جسدي يرتعد وأضطرب بشدة وأناملي ترتعش .
ظلت حالة الخوف هذه تلازمني سنوات ولم أكن أستجيب لأي كلمات من شأنها أن تبث الشجاعة في نفسي .. بت أخاف من أي شيء ومن كل شيء إلي أن بلغت الرابعة عشرة من عمري ! وأصبح الخوف يعوق حركتي فأنا أخاف من المجهول ومن القادم ومن الموت ومن الظلام ومن القبر ومن المرض ومن الوحدة ..ومن الغربة ..ومن كل أنواع الحشرات أنا أخاف وأخاف وأخاف ..
مع كل لحظة أشعر فيها بالخوف كانت هناك ظواهر ترافقني من إرتعاش الأنامل وإنتفاضة الجسد النحيل وخفوت صوتي وتصفد جبهتي بالعرق .. حتى أصبحت هذه الظواهر جزء لا يتجزأ من ظاهرة الخوف التي كنت أشعر بها .. الغريب أن ظاهرة الخوف هذه كانت لا تخلوا من متعة ما حسية .. وبمرور الأيام والأسابيع والشهور والسنوات بدأت ظاهرة الخوف تتوارى قليلا قليلا وتحل محلها رويدا المتعة الحسية التي كانت تلازمها .. تولدت عن الخوف لذة كانت غريبة عني فيما مضي .. كرهتها في حينها ولكني الآن وبعد أن اشتد عودي عدت أبحث عن هذه اللذة وأنشدها ولكني لم أجدها في تلك الحكايات التي كانت تحكيها لي ” نظيمة ” بل بات الأمر أكبر من ذلك بكثير ولكي أشبع ما بداخلي من لذة مصاحبة لإحساسي بالخوف , وأنا هنا لا أعني الترقب أو المتعة المصاحبة للتشويق والإثارة بل أعني الخوف وأحيانا الخوف الشديد , اتجهت إلي القصص والروايات وأنا هنا أيضا لا أعني قصص وروايات الألغاز بل أعني روايات الرعب وكنت اتأرجح في قراءاتي ما بين الغريب والمرعب , وأعملت فيها نفسي بقوة حتي كنت أقرأ بنهم عن العادات الغريبة لقبائل في أفريقيا منعزلة عن العالم .. ثم انطلقت إلي القصص الواقعية التي تحمل بين سطورها خيالا غريبا لأحداث يرويها أصحابها الناجين من الموت سواء من هاجمهم تمساح عملاق بينما يلهون في قارب في بحيرة منعزلة في وسط الأحراش أو ناج من قضمة سمكة قرش فهتكت قدمه أو ذكريات مؤلمة لناج هاجمه دب فأحدث به إصابات شتى ..وكنت أشاهد الصور المرفقة مع القصة بنهم شديد وبعين فاحصة كأنني طبيبة في مشرحة تبحث وتدقق لتعرف الأسباب التي أدت لحالة القتل هذه , أو كوكيل نيابة يبحث بدقة عن دليل ما يرشده لحل القضية , ثم انطقلت إلي عالم الأساطير وآكلي لحوم البشر ..! بحثت كثيرا عن اللذة المفقودة .. كل هذه التحولات في مزاجي كانت بحثا عن إحساس الخوف المشوب بلذة والذي سكن في أعماق نفسي من سنوات طفولتي ..
بلغت العشرين عاما وأنا كما أنا أبحث عن لذة تضاهي تلك التي أحسست بها عندما كانت مربيتي
” نظيمة ” تطفئ نور غرفتي وتتحدث إليَّ بصوت رخيم عن تلك الساحرة الشريرة أو العجوز الشمطاء وهي تصدر صوتا مرعبا من بين شفتيها وهي تقترب من ضحيتها ثم تنقض علي رقبتها وتمتص بأنيابها المثقوبة بعضا من دمائها ثم تفغر فاها والدماء تقطر منه بينما ضحيتها تتلوي ثم يسقط جسدها الفاني علي الأرض ..
أنهيت دراستي الجامعية .. وتقدم للزواج مني أحد مرؤوسي أمي في وزارة الخارجية .. إنسان حنون وعلي خلق .. وسيم .. مثقف .. راق الحس والمشاعر .. ينتهج سياسة اللين دائما .. يكره العنف والتنمر بكل الصور .. لا يميل علي وجه الإطلاق لأفلام الرعب ويفضل عليها الأفلام الرومانسية وقصص الحب والغرام والتي تنتهي نهايات سعيدة في الأغلب ..
بعد فترة وجيزة من الزواج بدأت أشعر بملل ورتابة الحياة الزوجية .. كنت أراها خالية من الإثارة في كافة صورها ..
لا أعرف لما في إحدي الليالي الشتوية العاصفة بينما السحب الكثيفة تغطي السماء وقطرات الأمطار تسقط معلنة عن نفسها علي زجاج غرفة نومي .. داعبت ذاكرتي صورة مربيتي ” نظيمة ” ..! وبالتحديد عندما كانت تطفئ نور الغرفة ويشملني هذا الإحساس المعطر بالمزيج من الخوف والتشويق والإثارة ..
رددت في نفسي .. لن أستطيع أن أحيا هكذا .. فهذه الحياة رتيبة .. خالية من المزيج الذي أتوق إليه .. أحب زوجي ولكني أري أن هناك شيء ما ينقص حياتنا .. دورى هنا أن أدفعه بقوة ليكمل ما أراه منقوص وسنرى ..
سأبدأ بإستفزازه .. وإن لم أحصل علي نتيجة مرضية .. سأضاعف من سلاطة لساني عسي أن أحصل في النهاية علي بغيتي !
دلفت إلي غرفة مكتبه فوجدته يقلب في كناشة من الأوراق فوق مكتبه ويضع القليل منها في حقيبة يده بعناية .. فوقفت علي باب الغرفة ووضعت يديَّ علي خصرى في تحد صارخ وقلت :
ـ هناك موضوع هام أريد أن أناقشه معك !
قال وهو يختار بأنامله دوسيه آخر من علي المكتب
ـ خيرا حبيبتي .. ألا يمكن تأجيله حتى المساء
ـ لا يمكن تأجيله
ـ بمعني
ـ الموضوع مصيري
ـ هل من الممكن أن أعرف رأس الموضوع ؟
ـ الإنفصال
توقفت أنامله عن العبث في كناشة الأوراق علي مكتبه ثم عبس عبسة وكأن خواطر سالبة عن معني هذا اللفظ راودته .. ثم انبسطت أساريره قليلا كأنما نثر الخواطر السيئة بعيدا عن ذهنه ثم قال وهو يبتسم :
ـ إنفصال ماذا عن ماذا ؟
ـ إنفصالنا !
توقف تماما عما كان يفعله ثم قال :
ـ أنا علي موعد هام للغاية بعد قليل .. أعدكِ أنني سآتي قبل أن تخلدي للنوم .. وسوف أناقشه معكِ بهدوء ..
وبنبرة حادة قلت :
ـ هل الموعد الذي تعتزم الخروج له أهم من حياتنا ؟
ـ بالطبع لا .. ولكن لا مجال لتأجيله !
ـ إذا خرجت لهذا الموعد فستعود ولن تجدني في البيت !
ـ أهذا تهديد ؟
ـ نعم
ـ أنا لا أقبل أي تهديد وسأخرج الآن
كان هذا هو الحوار الذي دار بيننا .. ولكنه لم يكن بالسخونة الشديدة التي تنذر بأن القادم من الحوار سوف يحقق لي ما أتمناه من اللذة المفقودة .. ورغم ذلك بدأت أشعر أنني علي مقربة من هذا المزيج السحرى بين الترقب والقلق والتشويق والإثارة إلا أنني أفتقد إحساسي بالخوف مما هو آت .. يا لهذا المزيج من سحر .. كان من الممكن أن أكتفي الآن بما هو متاح وأعني القلق والتشويق الذاخرة بها معاني كلماته , ولكني أريد المزيد .. أين مشاعر الخوف التي تضفي مساحة من السحر علي الموقف .. فلو مُزجت المشاعر السابقة والتي تحققت بالفعل مع مشاعر الخوف لعدت سنوات الي الوراء ..
فقلت بنبرة أكثر حدة
ـ لن تخرج وتتركني كإحدي قطع الأثاث في بيتك
بلهجة أكثر حدة قال :
ـ سأخرج وأنا أعني ما أقول
يا إلهي .. لقد بدت نبرة صوته أكثر حدة وتحمل وعيدا ولا مبالاة لما سأفعله أنا ..
أدركت أنه إذا سار الحوار علي هذه الوتيرة فلن يتحقق لي ما أريد .. مازلت مفتقدة الإحساس بالمزيج الساحر .. متي تتفصد جبهتي بالعرق وأفغر فيهي وتتدلي شفتي .. متي ترتعش أناملي ويرتعد جسدي النحيل .. ومتي تسقط بضع شعيرات من مقدم رأسي وتلتصق علي جبهتي .. ؟ ومتي ..؟ .. ومتي ..؟
حان موعد رفع درجة حرارة الحوار ..
ـ أنت إنسان ضعيف .. بلا شخصية ..
ولي رأسه حيث أقف دون جزعه كأنما أراد أن يستوضح ما أقول .. هل ما سمعه هو ما أعنيه عن حق .. أم أنها سلاطة لسان أصبت بها في لحظة تمرد وعصيان علي الحياة التي تتمناها غيرى ولا تجدها !
ـ لا داعي لأن تزيدي الموقف إشتعالا بكلمات جارحة
ـ أنا أعني كل كلمة تخرج من بين شفتاي .. أنت جبان .. ووضيع .. وحقير
استدار وقد حنقت سيماء وجهه فإحمرت عيناه وجحظت مقلتيه وقطب جبينه وارتعشت أنامله وخطر
نحوى وجسده يرتعد وقال ستدفعين ثمن هذه البذاءة غاليا ورفع يده عاليا وهوي بها علي صفحة وجهي
يا إلهي .. أخيرا بدأت كيمياء السعادة في الإمتزاج بداخل نفسي ..
صفعته لم تعيد إليَّ رشدي كما يظن البعض .. بل عجلت بمزج الخوف والترقب والقلق والذعر في بوتقة واحدة لتنتج في النهاية إحساس اللذة الذي كنت أفتقده من أمد .. أبرقت عيناي من النشوة وتصفد جبيني بالعرق وتناثرت بضع شعيرات من مقدم رأسي علي جبهتي وجالت الدموع في عيناي .. وعاد زوجي خطوة للوراء وردد البصر بين راحة يده التي صفعني بها وبيني .. وقبل أن يهم بإعتذار عما دفعه لفعل هذا الأمر الذى رآه شائن , هرولت نحوه واحتضنته بقوة وطبعت قبلاتى بعنف علي وجنتيه ورقبته .. فلم أكن أريد منه إعتذارا عما فعل .. بل كنت اريده هو نفسه .. كنت أريد جسده حتي تكتمل سعادتي .. وذبت بين ذراعيه !
كما توقعت تزوج من أخرى بعد حين .. كان يأوى إليها كلما تاقت نفسه لقضاء ليال هادئة تزينها الورود وتضفي أضواء الشموع أشعتها الحالمة علي المكان .. أما أنا فكان يأتيني كلما تاقت نفسه لسبابي واشتقت لصفعاته .. كان يأتيني ليملأ كأس شهوتنا الجامحة كلما فرغ !



