
“مقتطفات لمواقف مشرفة من هجرة المصطفى -صل الله عليه وسلم –
كتبت/ د. رابعه عيد عبد الفتاح حسن
مدرس الفقه بكلية الدراسات الاسلامية والعربية بنات القاهرة
تهل علينا ذكرى الاحتفال بالعام الهجري حيث كان الحدث العظيم الهجرة النبوية المشرفة من مكة إلى المدينة المنورة، لنتذكر ونحي مواقف الصبر على الإيذاء والتحمل، وترك مكان الكفر إلى مكان آخر حفاظا على الدين بإذن من الله تعالى لهم ، وأن الهجرة ليست فقط، هجرية حسية بل أيضا هناك هجرة معنوية، تتمثل في ترك المعاصي والابتعاد عن كل
من أهم أسباب الهجرة تعرض المسلمين للهلاك بسبب دينهم؛ من كفار قريش حيث أخذوا منهم ديارهم ، وأموالهم ، وتجارتهم بل ، وحرموهم من أبنائهم وأزواجهم لإشعارهم بأنهم ودينهم ضعفاء لا قيمة لهم ولا وزن.
فكان واجبًا عليهم أن يهاجروا إلى الله -سبحانه وتعالى-تاركين أوطانهم التي نشأوا فيها، وبلادهم التي تربوا فيها، إلى أرض جديدة عسى أن يجدوا من يؤيد هذا الدين وتلك العقيدة؛ وبذلك يحافظوا على دينهم وعقيدتهم.
وفي الهجرة النبوية كان للنساء والشباب دور كبير في المشاركة فيها:
مشاركة النساء في الهجرة:
هناك من النساء من هاجرت من مكة إلى المدينة مباشرة، فكانت لها هجرة واحدة إلى المدينة، ومنهن من هاجرت إلى الحبشة ثم عادت إلى مكة مع من عاد من المهاجرين، ثم هاجرت إلى المدينة فجمعت بذلك الهجرتين: إلى الحبشة، وإلى المدينة، ومنهن من خرجن من الحبشة مباشرة إلى المدينة، فجمعن بذلك أيضًا الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة ، أما العدد الأكبر من المهاجرين فهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة مباشرة، وقد تركوا أيضًا أموالهم وأهليهم وممتلكاتهم بمكة، وهاجروا إلى الله ورسوله، حيث قلوبهم مليئة بحب الله ورسوله.
ومن الصحابيات اللاتي هاجرن إلى المدينة وتحملوا العذاب في سبيل الله تعالى:
1- أم المؤمنين (أم سلمة رضي الله عنها) – وذلك بعد عودتها من الحبشة مع زوجها أبي سلمة قبل زواجها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقد سبقها زوجها في طريق الهجرة، ثم هاجرت ومعها ابنها سلمة فأدركها أهل زوجها، وتنازع أهل زوجها وأهلها (الولد) حتى خلعوا يده، ثم فرقوا بينها وبين زوجها وابنها فترة، وكانت تخرج في هذا الوقت تنتظر خبر زوجها، حتى أفرج عنها وأخذت ابنها وهاجرت إلى زوجها في المدينة، وبذلك اجتمع الشمل، وقيل: أنها كانت (أول زوجة- دخلت المدينة مهاجرة) وقيل: بل هي ليلى بنت أبي حثمة.
2- ومن المهاجرات أيضًا إلى المدينة (أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط) التي تتبعها أخواها الوليد وعمارة حتى يستطيعا إرجاعها إلى مكة والحيلولة بينها وبين الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة – ولم تكن قد تزوجت بعد – وهربت بنفسها إلى الله ورسوله، وذلك بعد صلح الحديبية، فوصلت للمدينة قبل أخويها، ثم ما لبثا أن لحقا بها، وطلبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسلمها لهما، فلما كلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك استحلفته بألا يتركها خوفا من الفتنة في دينها أو الانتقام منها، فنزلت آية الامتحان في أم كلثوم ومن بعدها من نساء المؤمنين المهاجرات إلى الله ورسوله
3- ومن المهاجرات إلى المدينة كانت بنات رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأهل بيته، وقد تحملوا – وخاصة ابنته زينب – حيث لاحقها العذاب من المشركون وآذوها وأنزلوها من فوق ناقتها بعد أن غمزوا الناقة – وكنت حاملا – فطرحت جنينها ثم عادت إلى مكة مرة ثانية ثم هاجرت إلى المدينة، بينما بقى زوجها بمكة لم يؤمن بعد حتى آمن وهاجر إليها، ولكنها ما لبثت أن توفيت متأثرة بما أصابها أثناء هجرتها، أما رقية فقد هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان – رضي الله عنه- إلى الحبشة وتحملا ما تحمله المهاجرون من غربة ووحشة لولا حماية الله لهم ثم نجاشي الحبشة.
4- وقد بلغ إيمان المرأة وطاعتها لله ورسوله أن إحدى الصحابيات وتسمى (أم قيس) اشترطت على رجل تقدم للزواج منها أن يهاجر أولًا إلى المدينة، فهاجر فسمى (مهاجر أم قيس)، كما أن هناك من النساء من هاجرت فرارًا من شرك زوجها أو أهلها؛ لإيمانها بالله ورسوله، حيث ذهبت إلى المدينة تعلن بيعتها وإسلامها أمام رسول الله –صلى الله عليه وسلم-
5-دُور الشَّباب في مشاركته في الهجرة:
قد تجلى دور الشاب في الهجرة المباركة فنجاحها بعد فضل الله -سبحانه و تعالى- يعود إلى هؤلاء الشباب ،
فعلي -رضي الله عنه – ينام في فراش النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ليخادع المشركين، ويأخذ أبصارهم عن النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ويحميه من مؤامرتهم، مع علمه أنُّه قد يُقتل في مكانه ولكن النُّفوس تهون في سبيل الدِّين، ويبقى في موطن الخطر ثلاثة أيام متوليات يُوزِّع الأمانات لأهلها، ويمضي مُهاجرًا وحيدًا إلى الله ورسوله وقد دُميت قدماه من أهوال الطَّريق، وليس الأمر مُقتصرًا على علي بن أبي طالب رضى الله عنه .
وهذا عبد الله بن أبي بكر رضى الله عنهما وكان شابًا ذكيًّا ألمعيًّا يُزودهما بأخبار قريش كل ليلة ويبيت عندهما، فإذا كان السَّحر عاد إلى مكة لا يشعر به أحد،
وكان عامر بن فُهَيْرة وقد أسلم وهو في بحر العشرين من عمره الذي كان يحمل مسؤولية رعي الغنم، وإعفاء أثر عبد الله بن أبي بكر، ثم يمضي في ركاب النبي صلى الله عليه وسلم وركاب أبي بكر يخدمهما في الطريق فعلى يدي هؤلاء الشَّباب نجحت الهجرة المباركة.
فلنتعلم من الهجر الصبر والتحمل وابعد عن المعاصي وهجرها والترقرب واللجوء إلى الله تعالى




